وهكذا وقع مع الإمام الشافعي، وهكذا وقع مع الإمام أحمد، الإمام الشافعي يقول لتلميذه الإمام أحمد أنت أعلم منا بالحديث، إذا صح الحديث فأخبرني حتى آخذ به، شاميًا كان أو مصريًا أو يمنيًا، أيًا كان، أو حجازيًا، يعني آخذ به، هكذا كان السلف -رضي الله عنهم-، فلذلك قال ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم، ولذلك قال بعض السلف، -وهذا معلوم قالها شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقالها غيره، يقول كلمة رائعة:"من كانت عنده أربعة أحاديث -أربعة فقط! - فأنا خادمه"، من كانت عنده أربعة أحاديث يعني وأخذها عنه، أخذ عنه أربعة أحاديث، قال فأنا خادمه، هكذا سبحان الله يتأدبون، من قال هذا؟ شعبة، الذي يقول الثوري فيه مات الحديث بموت شعبة، وهو الذي قال كل من سمعت منه حدثنا فأنا له عبد، ليس معناه أنه يعبده، ولكن كأنه ليس حرًا أمامه، معناه أنه لا يفعل أي شيء بل يتأدب معه، كما يتأدب العبد مع سيده، إذا أخذ عنه حديثًا أو علمه حرفًا، والمراد بالحرف الكلمة، إذا علمه كلمة واحدة.
ولذلك يعجبني قول بعض السلف:"من لم يحتمل ذل التعليم ساعة؛ بقي في ذم الجهل أبدًا"، فاعلم أخي طالب العلم أن للمتعلم في زمان تعلمه تملقًا وتذللًا وتلطفًا وآدابًا مع شيخه، وآدابًا مع شيخك إن استعملته أيها الطالب، استعملت هذه الآداب مع أستاذك ومعلمك تغنم، وإن تركت هذه الآداب تندم ولا ينفعك الندم، وإن شئتم أن أذكر لكم أمثلة كثيرة رائعة في هذا، وأن بعضهم لم يستعمل هذا النوع من الآداب ولم يتلطف مع شيخه ولم يتذلل لشيخه ولم يتملق مع شيخه ولم يرفق بشيخه أخيرًا ندم، ولات ساعة مندم، لأن التملق للعالم يظهر مكنون علمه، والتذلل للعالم له سببه: لإدامة صبره، يصبر معك، ويقوم معك الليل ليعلمك، يجتهد ويقرأ ويطلب ليعلمك ويرفع الجهل عن نفسه أولًا ثم أيضًا يرفع الجهل عنك، وبإظهار مكنونه تكون الفائدة كثيرة وعظيمة، وباستدامة صبره يكون الإكثار. إذًا أنت -فالإمام والشيخ والعالم أعده كالضرع، فإذا رفقت به يعطيك الحليب، وإذا لم تفعل تضيع أنت، أنت من يضيع، فإذًا حاول يا أخي ألا تُسِيء الأدب مع شيخك، فإذا أسأت الأدب معه وتعاملت معه بقلة أدب، وحتى إذا أردت أن تراجع نفسك للأسف ابقى كمن بسق وأراد أن يرد بساقه إلى فمه! أو كمن بكى وأراد أن يرد الدمع إلى عينه، أو كمن رضع وأراد أن يرد الحليب إلى الضرع، فلا يمكن، فإذًا ينبغي من البداية أن نتعامل مع شيوخنا بأدب.