الصفحة 124 من 171

دع عنك هؤلاء الساقطين، والذين همهم تحقير كل قيم هذه الأمة وكل أسباب رفعتها وعزتها، هؤلاء من تحريفهم أنهم جعلوا سطوة البيان تقضي على سنن العقل، وكأنّ الإنسان غرائز متعارضة متقاتلة، لا متكاملة متكافلة.

ولأنهم قرؤوا الكلمات ولم يرووا حقيقتها فرأوها أصواتًا، فصرنا عندهم بكل تاريخنا ووجودنا ظاهرة صوتية لا أكثر ولا أقل.

وكأن أمة غير هذه الأمة روت الأرض دماءً في سبيل الحق، وكأن هذه الأمة هي التي قتلت الملايين من أجل شهوة القتل.

وكأن هذه أمة غير هذه الأمة تقدم الأرواح والدماء والعرق ضد طغيان العالم أجمع، وكأن أمة غير هذه الأمة يموت شبابها عن رغبة وطواعية في سبيل دينهم.

ماذا نقول لهؤلاء في زمن ينهق أحدهم في جريدة نفطية بقوله: إنه ليس على استعداد أن يضحي بابنه في سبيل أي شيء من أشياء الدنيا أو الآخرة.

الوطن عندهم قطعة أرض، والمريض هو من مات من أجل أرضه، المريض في عقله ونفسه، والذكي هو: اشترِ لك قطعة أرض في أستراليا بمال يدفعه غاصب أرضك.

العِرض عندهم وهم زائف، والمتخلف من مات من أجل عِرضه، المتخلف عن قيم الحضارة المعاصرة، والمستنير من جلس خلف الباب وهو يسمع لهاث زوجته مع مدير شركته أو زوج عشيقته.

كل القيم خيالات وأوهام، والحقيقة الوحيدة أن يعيش كما قال تعالى: {لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} ، هدم السفلة كل جمال في الحياة، وكل تاريخنا، وكل قيم أمتنا، وتحت دعوى العقلانية والمصلحة في وقت لم يبقَ لنا فيه شيء.

بصقوا على كل الشهداء ونعتوهم بالمرضى والمجانين وفاقدي الأمل وعاطلين عن العمل؛ لأنهم يحلمون بالجنة، والجنة وهم، والحقيقة الوحيدة الحساب البنكي! فالحرف لمن يدفع، وكل كلمة لها ثمن، فلا مانع من أن يكون الكاتب الكبير والمفكر العظيم لوطيًا، وسيأتي من يقول بكل صفاقة: إن هذا المفكر الثائر -يالحقارة القوم ثائر ومَأْبون- إنما يعلن ثورته من خلال شذوذه.

لا تستغربوا فوالله لقد قيلت، واقرؤوا إن شئتم ما كُتب عن"جان جينيه"وعن فلسفة شذوذه، وحين يُسأل عن شذوذه يقول:"شذوذي هو الذي فتح آفاق فهمي للحياة"!

رحم الله الحياء، ورحم الله الرافعي حين علّق على قرآن مسيلمة بقوله:"هذا قرآن كان ينزل على بطنه لا على قلبه"، ولو قرأ ما قاله الرجل لقال: هذا فِكر ينزل على دبره لا على عقله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت