فهرس الكتاب
إن هذا السّعار المحموم في إظهار هذه النماذج الحقيرة في سلوكها وعملها وإبراز سيرها الذاتية بهذه الوقاحة والفجاجة لهدف تدميري واضح؛ وهو فصم عُرى الصِّلة بين الكلمة والفعل، وإيصال رسالة خبيثة الهدف: القيم الأخلاقية لا علاقة لها بالكلمة، وأنه لا غرابة بين كون الرجل مثقفًا وسافلًا منحطًا عميلًا.
هذه إحدى معارك الكلمة لتجريدها من روعتها وقيمتها، وهكذا تنهار معالمها الوجودية في النفس البشرية، فليس للألفاظ حقائق بل يمكن تركيبها مع أضدادها كما يقول بعضهم:"البغي الفاضل"!
إنها معركة لا يقوم لها إلا الرجال الأفذاذ ونساء الطهر والعفاف، الرجال الذين يعيدون للكلمة أَلَقَها من خلال نماذجهم العلمية الشاهدة على الصدق والانتماء والشهادة، والنساء اللواتي يُرضعن من طهر أثدائهن رماح الشهادة وحروف التاريخ.
هذه كلمات لا بد منها انتصارًا لأمناء الكلمة وتبكيتًا لخصومها، وهي كلمات -فقط كلمات- ضد أموالهم وحكوماتهم ومؤسساتهم وعشاق نسائهم.
ابتداءً؛ على المرء أن يعلم أن الحياة التزام، وإن أثر الإنسان في الحياة والتاريخ إنما يكون بمقدار التزامه بسنن الحياة وقيم الإيمان، والذين يأخذون الحياة على وجه اللعب واللهو ستحطمهم السنن في الدنيا وسيرحلون عنها بلا أثر، كما قال تعالى عنهم: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} ، هذا الالتزام هو الذي يجعلهم في نسق تام مع الوجود، يسيرون مع السنن، ويستخدمون كل ما سخّره الله، ويعيشون في طمأنينة العاقبة مهما تأخرت في بعض أطوار الحياة، لأن هذا هو طبيعتها وسننها.
الالتزام لا يعني الثقل، بل الثقل والعَنَت في السير عكسه؛ لأن الالتزام معناه السير ضمن سنن الفلك الكوني والإيماني، وبالتالي ما يقع عليك من تعب إنما هو تعب المسير لا تعب الالتزام، وحين تنفلت الأَزِمَّة حينها يبدأ الصِّدام والاضطراب والهلكة.
هذا الكلام لا يقال اليوم في بداية الطريق، ولا اعتمادًا على أخبار التاريخ، بل بأدلته الحاضرة، حيث نشاهد آثار الانفلات من السنن الكونية كيف يؤدي إلى الهزائم وسيطرة الأعداء، وكيف نشاهد آثار الانفلات من القيم الإيمانية كيف يتحول الناس إلى بهائم ووحوش تعشعش فيهم عوامل الهدم الداخلي.
هذا الالتزام ليس خيارًا يمكن للمرء أن يجربه يومًا أو يجرب ضده، بل فيه معنى منطوٍ في داخله؛ أي اللزوم والالتزام، فسنن الحياة ثابتة وكذلك ينبغي أن يكون أكرم الخلق فيها، وفي الختام -ختام رحلة الحياة- يذهب كل واحد إلى مُلكه الذي بناه وغايته التي سار إليها.