الصفحة 126 من 171

هذا الالتزام يعني أول ما يعني البصيرة، أن تعرف الطريق وأن تبصر دروبها ومزالقها ورفاقك فيها وقوانينها وشروطها، وكلما كنت عالِمًا كلما كنت مبصرًا؛ لأن المعرفة سراج العقل، فالمعرفة إحدى قوانين الالتزام، بل هي عين الالتزام.

هذه البصيرة سراجها الكلمة، لا تنير إلا من خلالها، ولا تحمل إلا في طياتها.

ليس بعالم من عرف طريق الحق وسار في طريق الباطل، بل هو من أجهل الجهلة، وليس له ثقة على هذه المعرفة، ومحتقر لها مفسد لقيمتها.

الكلمات ليست للتجارة ولسرقة الغافلين وبيع الأوهام، بل هي لتنبيه الغافلين وكشف الحقائق.

الفعل له شقان باعتبار آلته؛ القلب والجوارح، وله شقّان باعتبار متعلَّقه؛ فعل الفضائل وترك الرذائل.

يدور سجال غير محمود اليوم حول"المثقف الملتزم"كما يدور سجال حول"الناقد المبدع"، وهذا يدل على فصام العقل الثقافي هذه الأيام، وأساس فصامه هو فقدان الأدب والإبداع مهمته في الحياة، بل هو في الحقيقة غياب التصور الصحيح لمفهوم والحياة، فما الحياة عند هؤلاء؟!

إن كل قضية لو فكر فيها منصف لوجد أنها تتعلق بـ"الدين"والذي هو أساس القيم، ومن أجله وُجدت هذه الحياة، وكلما أُفرغ جانبٌ من هذه الحياة من الجانب الديني كلما مُلئت بالعبث والتوحش والبهيمية، وهذا بَيِّنٌ اليوم في عالم الأدب والإبداع؛ فإن مهمة البيان هي حصول التواصل بين الإنسان، ولكن لغياب هذا المفهوم -وبطريقة تنازلية- حُوِّل الإبداع الفكري إلى مجرد عبث وهذيان مرضي؛ لأنه لا يمكن لإنسان ينشئ نصًا إلا وهو يطوي داخله -داخل النص- فكرة واعتقادًا ومبدأ، أي أنه يعبِّر عن التزام بموقف، وهذا ما لا يريدونه اليوم، أو لنقل إنه الشعار المطروح علنًا دون الخفايا والبواطن، وبالتالي تحول النص إلى عماء لا يشكل في داخله أي تكوين أو مفهوم، ودعوى هؤلاء القوم لتفجير اللغة يعنون تحويلها إلى ألفاظ بلا دلالات، أو دلالات متناقضة كل دلالة تشير إلى ضدها، والباعث لذلك هو تدمير الالتزام، فلا يوجد نص أخلاقي ولا نص اعتقادي ولا نص منتمٍ؛ لأن اللغة التي يريدها هؤلاء العابثون هي"عماء"لا أكثر ولا أقل.

هكذا يمكن اكتشاف الخواء الفكري من خلال الفساد اللغوي، كما أمكن اكتشاف الفساد الأخلاقي من خلال تدمير اللغة، ولذلك إن معركة البيان هي في جوهرها معركة القيم ومعركة الالتزام ومعركة الإيمان.

إن معركة القيم وارتباطها باللغة -بالنص- ليس من جهة الموضوع فقط، لكن من جهة الشكل كذلك، فاللغة وإن بدت في الابتداء آلة فقط؛ إلا أنها -لعوامل فطرية وتاريخية- تتحول إلى انتماء ومشاعر، وتصبح الآلة نفسها -وهي الوسيلة- موضوعًا وعقيدة، فهل يستطيع أحد أن يعزل القرآن عن لغته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت