فهرس الكتاب
أو يعزل النص عن كاتبه؟ ومن هنا صارت اللغة العربية عند المسلم دينًا تشير إلى انتمائه ومشاعره، ونحن لا ندري أسُميت اللغة باسم أهلها أم أنّ أهلها سموا باسمها، ولكن ندري شيئًا واحدًا أننا اليوم نرى أن الإنسان يسمى باسم لغته وكذا العكس، فمن هنا؛ فإن الحرف لا يعني الالتزام بموضوعه فقط، لكن يعني الالتزام بشكله وصوته، والحرب عليه هي حرب على صاحبه وهويته وخصوصية أهله.
لا أنكر أن اللغات تتفاضل، وجهود أهل كل لغة يتفاوتون في هذه الجهود التي بذلوها على اللغة، لكن أكره السجال في هذه النكتة لأنه في النهاية"كل بنت بأبيها معجبة"، والخلاف فيها رغم أنوفنا سيتحول إلى حرب عواطف فقط، لكن أؤمن أن دعوى الموضوعية والتحديث التي يحملها"لقطاء الفكر"ضد لغتنا هي دعوى مشبوهة لانتصار لغة أخرى على انتمائي (لغتي) .
"لقطاء الفكر"بعضهم يحلم بالفرنسية ويتأوه مع زوجة صاحبه بالفرنسية، وبعضهم لا يعبر عن أشواق الرضا وزفرات الغضب إلا بالإنجليزية، وهم يجلسون تسولًا أمام معاهد نشر اللغات، ومؤسسات الجوائز للكاتبين بتلك اللغات، ويأكلون السحت من دوائر الدولة التي تحمي اللغة وتنشرها ثم إذا جاؤوا إلى لغة آبائهم؛ دعوا لتفجيرها وتغييرها ليُكتب فيها:
طار الفيل وعضّ الربيع ذَنَب البرغوث، فكان ماذا!
حمار السّلام يسبح في سن الطفل، فما الغريب!
صدقوا: أين الغرابة؟ وقد صار العميل قائد الدولة، واللص وزير المالية.
من أوهام القراء أن القراءة بذاتها هي فعل التغيير؛ لأن القراءة في بعض الأحيان تعطي شعورًا ذاتيًا واهمًا بأن الخارج قد تغير، كما حصل من صور وانفعالات داخلية، والحقيقة أن هذا شعور زائف ووهم خطير؛ فإن الخارج لا يتغير، وإن ما عشته مع القراءة هو شيء داخلك فقط، وأما الحياة فشيء آخر، وأما الخارج فهو مجال إرادتك لا خيالك ومشاعرك [1] .
إن القراءة يجب أن تشكل وعيًا للعمل لا وهمًا مع خيال داخلي تنسحب داخله بعيدًا عن الواقع، كما يقع مع الطفل وهو يسمع الحكايات فينسى نفسه وواقعه، من هنا تأتي قيمة قراءة الالتزام، وأعظمها القراءة الدينية؛ فإنها قراءة الأمر والنهي -أي قراءة الفعل-، ومن غير هذه القراءة تصبح القراءة حاجزًا تفصلك عن الواقع، وتفصلك عن الفعل وتفصلك عن التغيير، فأنت بحاجة دومًا إلى تقوية
(1) لا أريد أن أدخل في خصومة لا طائل تحتها، وهو كون الإرادات تنشأ من المشاعر، فالموضوع ليس هذا