فهرس الكتاب
هذه الحقيقة، وذلك بالعودة لها كل يوم لتتذكر موقفك من الحياة، ودورك فيها، وحاجة الحياة إلى فعلك.
بعض مَنْ كَتَب عن القراءة لو حققت في قوله لوجدت أنه يتعامل معها كأنها مواد مخدرة لتغييب العقل وفصل الإنسان عن الحياة، ويجعلون تمام متعتها هو تحقيق هذا الهدف، وهذا في الحقيقة تدمير للإنسان لا تفعيل له، ولذلك حذار من هذه القراءة.
القراءة في التاريخ مثلًا فيها متعة الإبحار مع غير زمنك، لكن هذه المتعة لا تكون إنسانية حتى ينتهي هذا الإبحار بأن تعود إلى حياتك وأنت مليء بالعبرة والجواهر والفوائد.
ثم لا شك أن الرحلة شيء ضروري لتحقيق المتعة والتنفيس، لكنها يجب أن تكون متعةً ضمن مفهوم الالتزام وأداء الدور الفاعل المثمر.
إن أخطر ما يواجهه الفكر تحوله إلى مؤسسة، مع أن وجود المؤسسة ضرورة لتحقيق فعالية أي فكرة، وهذه المعادلة ليست متناقضة، وتطبيقها العملي هو واقع علماء الأمة ضمن دولة الإسلام، فهم جزء منها يدافعون عنها ويحاربون تحت رايتها، ولكن يرفضون بكل صلابة الذوبان فيها لئلا يفقدوا دورهم عاملًا مراقبًا مقومًا، وهيكلًا أقوى من كيان الدولة، وهذه القضية يطول شرحها كتبت فيها كتابي (لماذا انتصرنا؟) وأماكن أخرى، لكن ما يعنينا هنا أن من مفاسد انخراط العالِم"المفكر المبدع"في كيان الدولة يعطيه صفة الوظيفة والتي هي في حقيقتها تنطوي على ما يُسمى بتوزيع الأدوار، أي أن تملأ وظيفتك غير متعدٍّ على دور آخر -وظيفة غيرك-.
هذا التوزيع يوجب على الواعظ أن يتقيد بدوره دون تعدٍّ، وعلى المفكر كذلك، وعلى قائد الجيش كذلك، ومع طول الزمن وإلف العادة وتقادم العهد يصبح الإنسان أسير التكوين الاجتماعي والثقافي لهذا السياق، فحينئذ تصبح بعض القراءات وسيلة قاصرة لصناعة المفكر لا المقاتل، والمنظِّر لا السياسي، والقائل لا الفاعل، وقراءات أخرى للعكس، وبالتالي تصبح القراءة لتوزيع الأدوار داخل هيكل المؤسسة، وهذا من أكبر ما يعتري القراءة من وهم، والخروج من هذا الإسار ليس سهلًا؛ لأن فيه خروجًا عن مفاهيم اجتماعية سائدة، وفيه مخالفة لقوانين ودساتير تؤدي بك إلى السجن والعقاب، وإنك إن فعلت ذلك فقد حققت أعظم مقاصد القراءة، وهو أن تصبح إمام علم وعمل.
القراءة ليست لتحقيق دور نمطي ترسمه لك المؤسسة -أي مؤسسة؛ من الدولة إلى العائلة-، بل هي لتحقيق فعالية إيجابية في الحياة، وهو تحقيق الشهادة على الخلق علمًا وعملًا، كما قال تعالى: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} .
ما يقع اليوم أن القارئ المفكر يحبس نفسه داخل وهم الدور المرسوم له من قِبل المؤسسة، وهو أن يقول الكلمة فقط لا أن يمارس الفعل، وإن دعي إليه اعتذر بأن هذا ليس من عمله، هذا إن طلب منه، لأنه على الأغلب هذه المفاهيم تكون أفهامًا عرفيّة عامة.