فهرس الكتاب
في شيء، لا أقصد اجتهاده في الحكم على علم الأحاديث فهذا علم يُقبل منه ويُرد، إنما أقصد ما تقدَّم من تجريد السنن من الأسانيد ومن التصرف في عمل المصنف.
الإمام أبو داود السجستاني -رحمه الله- عندما ألّف مصنفه (السنن) ، ألم يكن بوسعه أن يختار الطبقة العليا من الأسانيد الصحيحة لينتخبها في كتاب كما صنع الإمام البخاري ويسميه:"الصحيح"؟! ثمَّ ألم يكن يدرك أن في كتابه ما هو من رواية الثقة وما هو قريب من رواية الثقة كما ذكر ذلك في رسالته لأهل مكة؟
إن كنا نعلم أن هذا من أوليات معرفته؛ فلم لا نحترم مقصده في أنه صنف كتابه على هذه الصفة؟ بل ذهبنا ندمِّر كل هذا المقصد، والذي ثبت في منهجيته، ثم ألزمناه أن يعبر من خلال أحكامنا ومنهاجنا، وهي مناهج لا تَمُتُّ إلى نشر العلم بِصِلة، بل هي تكرِّس الجهل بمناهج الأقدمين في باب التصنيف والانتخاب والأحكام والفقه، وتُلزم الجميع أن يأتوا إلى باب آخر ليدخلوا منه إلى الحديث والحكم عليه، والفقه وأدلته.
تأملوا (سنن الترمذي) وما فيه من إبداع عجيب، شغل الناس بعده بهذه المصطلحات التي هي أدق من ميزان الدرر، وهذه التعليقات على الشواهد والمتابعات كيف دُمّرت وقضي على علمها، والتي هي روح علم الحديث، دمرت على يد الشيخ ناصر في صنيعه على (السنن) .
إنه لا يدافع عن فعل الشيخ إلا تاجر يبتغي الربح أو مسترق بالتقليد، وتأملت هذا الفعل منه فلم أجد له حجة سوى الدعوى أنها"لتقريب السنة بين يدي الأمة"كما هو شعار الشيخ، وإنه لكافٍ للعوام في هذا الباب (صحيح الجامع الصغير وضعيفه) ، وكفى اللهُ كتب المصادر من هذا العبث المدمر لها ولعلومها ومناهج أصحابها.
وما يقال عن فعل الشيخ في (السنن) يقال في (مختصر صحيح البخاري) ، بل هنا يقال أشد مما قيل هناك، فهذا الكتاب الذي استهزأ أحد من المعاصرين جهلًا من اشتغال أهل العلم في سر تبويبه الذي قال عنه الأقدمون:"فقه البخاري في أبوابه"، هذا الكتاب -صحيح البخاري- أتى الشيخ الألباني على كل خصوصيات البخاري ومنهجه ومقاصده فيه هدمًا وتدميرًا وإزالة، أقول كلها بلا استثناء، وإنه لا يرضى عنه إلا الجهلة الذين انتشر فيهم اليوم القول:"هات الخلاصة"، وإني لأخاف انتشار هذه السنة السيئة بين أهل الجهل اليوم من المُسترزِقين من التراث تقليدًا للشيخ وطلبًا للمال.
هذه الأفعال مبعثها شيء وحيد هو عدم النظر إلى كتب أهل العلم كشخصية علمية لها سماتها التي تشكِّل عقلية العالم وإبداعه، بل هي تنظر إلى الكتب باعتبار شيء واحد هو المفردة العلمية الواحدة معزولة عن المنهج ومعزولة عن كونها جزءً من كل؛ وهو الذي يقال فيه بحق"العقلية الذرية"، وهذه سمة هذا العصر بكل انحداره وانحطاطه.