الصفحة 145 من 171

انظر إلى أفعالنا الجاهلة فيما يسمى بالتحقيق لكتب التراث، واحد يأتي إلى كتاب أصول فقه ككتاب (الموافقات) ويبدأ فيه تشويهًا وتقبيحًا، وتزويرًا لعقل القارئ وصرفًا عن مقاصد الكتاب بتضخيم الهوامش لحديث رواه البخاري ومسلم، وكأن كل الكتب العلمية صارت كتب تخريج، وليته تخريج علمي؛ لكن مجرد صناعة فنيَّة وإحالات تتكرر هنا وهناك تكرارًا قبيحًا وسرقة وقحة فاسقة.

يا طلبة العلم -بالله عليكم-، فرِّقوا بين كتاب تخريج وكتاب أصول فقه وكتاب نحو وكتاب فكر وكتاب تربية، بل اتركوا كتب التراث على حالها ترسم شخصية الكاتب وسمة الكتاب، وإن كان عندكم شيء من العلم؛ فما هو مطلوب منكم الكثير، وما هو من مجالات الإبداع واسع عريض، فاتقوا الله إن كان همكم العلم والتراث.

هلّا تعلمتم من أئمتكم الأوائل في التحقيق كالشيخ عبد الرحمن المعلمي الذي يعُدُّونه ذهبي هذا العصر؛ حيث يظهر من فعله الفرق بين الإخلاص للعلم وبين أفعالكم الدالة على سُعار التجارة والاسترزاق القبيح.

هذه بعض مظاهر -وهي كثيرة في واقعنا- الغفلة عن مقاصد المؤلفين ومناهجهم وفي الوسط الديني المُحِب للتراث، فماذا نقول عن الذين هم في عِداء صريح مع هذا التراث؟!

هذا باب ربما سأتكلم عنه القليل، لكن أُوجِب وأُلزم القارئ إلزام العلم والنصيحة أن يقرأ كتابين عظيمين ويسعى لهما سعيه إلى رائحة من روائح الجنة، وهما للدكتور محمد محمد موسى أولاهما: (النقد البلاغي) ؛ وهذا كتاب -أُشهد الله- أنه لو وُزن بالماس لكان قليلًا في حقه، وإن رجلًا مخلصًا لله يأتي معه هذا الكتاب يوم القيامة في الدفاع عن الأئمة لرجلٌ ثقيل الميزان، وأما الكتاب الثاني فهو (تعليقه ونقده على القوس العذراء) لمحمود شاكر، والذي هو نسمة من نسمات الكتاب الأول.

حين يتكلم حكيم بكلمة تستحق صفة الحكمة فما هي أسرار صناعتها؟ ولماذا تفترق هذه الكلمة عن كلمات كثيرة يقولها غيره؟!

الكلمات لا تشتبه في مقدارها إلا كما يشتبه النقد المزيف على الغفل الجاهل، وأما الناقد الخبير فإنه لا يخطئ في التمييز، والكلمات كالنقد، والناس في كل عصر يتكلمون ويفعلون، لكن هناك خبراء ونُقَّاد الكلمة يراقبون ويميِّزون ويلتقطون العوالي من الدرر، ويأخذونها ربما منثورة ويقومون بفَتْل العِقد لها لتنتظم في لوحات بديعة راقية؛ وهؤلاء الخبراء يعرفون مقدار النَّصَب والجهد اللذين بُذلا لاستخراج هذه الجواهر، فهي فريدةٌ عزيزةٌ، وهي تختزل في داخلها جهودًا وطاقات وعرق ودماء، بهذا تتميز النقود عن الزيوف.

فهناك حكمتان: حكمة استخراج الجواهر وحكمة نَظْمها، وتكتمل الحكمة في اجتماعهما، حيث يستخرجها المرء وينظِمُها في كتاب تقف منه عقول الحكماء مبهورة محبوسة الأنفاس لا تنطق إلا أن تقول:"إنه لسحر!".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت