الصفحة 146 من 171

لا يوجد كتاب للأقدمين إلا وفيه هذا السر، ولا توجد كلمة حملت الاحترام إلا وفيها هذا النهج والسبيل. سأضرب لك مثلًا هو كالطُّرفة لكنه يعين فهمك للمراد:

كان العماد الأصفهاني صديقًا للقاضي الفاضل وكلاهما من عُمّال صلاح الدين الأيوبي، فمرّ القاضي على فرسه أمام الأصفهاني، فقال الأصفهاني:"سِر فلا كَبا بِكَ الفرس"فردّ عليه القاضي بديهة:"دام علاءُ العماد".

هذه حادثة تُذكر في ترجمة القاضي لتدل على سرعة بديهته وتفنّنه في القول، وهي لا تدل على هذين الأمرين إلا بإدراك السامع سرّ الكلمة وما فيها من دلائل على السرعة والتفنُّن.

سأترك للقارئ البحث عن السر وأنتقل به إلى حادثة أخرى للإعانة:

حضرت امرأة أُخذت في تهمة للحجاج، فسألها عن الأمر فقالت:"لا والذي أخلى نصف القرآن من كلا"، فأطرق الحجاج قليلًا، -وكان الحجاج من المتقنين لكتاب الله مع إجرامه، حتى إنّ وِرده كان قراءة القرآن كل أربعة أيام، وهذا ليس بغريب عنه وهو الذي بدأ حياته معلمًا في كتاتيب القرآن-، واسترجع الحجاج مستعرضًا قول المرأة على كتاب الله، فأدرك صدق قولها، ولم يكن الحجاج ليعرف صدق قولها إلا بعد أن استعرض مفردات الحكمة وهي:"هل نصف القرآن لا يوجد فيه كلمة كلا"، وهو لا شك صحيح.

من هنا كانت تكمن قوة الحكمة وهي عمق دلالتها على أفرادها العلمية والعملية، ثم كيف انتظمت في هذا السلك البديع، وتكون ميزة الحكمة في مقدار دلالتها على خفاء المفردة التي لا يبصرها إلا المنقِّبون في البواطن، والذين يلحظون ما يخفى لا على العوام بل إنه يخفى على العلماء وأمثالهم من الحكماء، فهذه مراتب تكوُّن الحكمة إذًا:

1.كمية هائلة من المفردات العلمية والعملية كامنة في الصدور.

2.عين حاذقة تغوص في بواطن الفعل والقول إلى درجات لا يصل الآخرون إليها في العادة؛ وذلك في فهم آليات الفعل والقول وأجزائه وأسراره وأسبابه ونتائجه، وصلته بغيره وتميزه عن هذا الغير.

3.عقل استقرائي يدرك حكمة الرب في الخلق والقول، وهو التعدد في داخل الوِحدة؛ فكل حيّ مثلًا من إنسان أو حيوان وطائر وحوت وحشرات، مع تعددها وكثرتها واختلافها تنتظِمُها الوحدة الجامعة، وهي أنها كلها تعود إلى أصل واحد وهو الخلية [1] .

4.ذوق بياني قادر على صياغة كل الخلق داخل الكلمة، الخلق داخل الإنسان وخارجه.

وإن صنف كتابًا لهذه الحكمة زاد مرتبة أخرى: امتلاك ما يسمى اليوم بالعقلية"الاستراتيجية"؛ فالكتاب كالكتائب؛ الجذر اللغوي لهما واحد، لا يقدر على إدارتها إلا القادة"الاستراتيجيون"، وقد

(1) راجع كلمة الشافعي في أول كتابه (الرسالة) عن"مفهوم البيان"وستجد هذا المعنى بوضوح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت