الصفحة 147 من 171

ترجم بعضهم هذا اللفظ عسكريًا بـ"السوقيين"، وأما كلمة"جمهرة"فلا تكفي في الدلالة عليه إذ هي لا تعبِّر إلا عن المرتبة الأولى في الحكمة.

هذه المراتب هي التي تشكل الاختيار من الكثير المحفوظ، وتعبِّر عن منهج المؤلف في الاختيار وهي بالتالي تميّز بين المبدع السابق والتالي الجاري على سننه.

هذه هي السمات العامة التي يجب على القارئ اليوم أن يستحضرها مع كتب الأقدمين ومع حكمتهم وأحكامهم، وأما النظر إليها من خلال كل مفردة مقطّعة الأوصال لا رابط بينها، وبنظرة قاصرة أن القوم سمعوا فأدّوها كما سمعوا، فهذا هو عين الجهل بكتب القوم وعقليتهم، وهي قراءة تجني علينا، وأما القوم فلا يضر الجبال قرع النّعال.

تأمل هذه السمات في كتاب (الحماسة) لأبي تمّام وكذا كتابه (الوحشيات) هل هي موجودة أم أن الرجل وجد فروى كما يظن البعض اليوم؟!

كان بين يديه الشعر، ولا أريد أن أقول كل الشعر المروي كما قال الآمدي في (الموازنة) ، لكن أقول بقوله الآخر:"كان مشغوفًا بالشعر مشغولًا عمره بتخيّيره ودراسته"وهذه عبارة الآمدي وإن تأملت قوله:"بتخيّيره ودراسته"عرفت المراد.

الثعالبي في (فقه اللغة) ماذا أراد؟ وما هو جديده وفرادته وتميزه عن المعاجم؟!

تأمل وطبق تلك السمات: لما كانت العرب تستعمل ألفاظًا بإطلاق ولكنها تستعمل ألفاظًا أخرى لنفس المعنى لكن لتقيُّدها وارتباطها بأمور خاصة أخرى، فلا بد من التفريق بين أهل الوضع اللغوي وبين الاستعمال، وهذا باب كما قال أهله عزيز المأخذ، فلفظ"الأبيض"للوضع اللغوي العام لكل ما فيه بياض، لكن لو كان البياض في الخيل ماذا يُقال له؟ وإذا كان البياض في الإنسان فأي لفظ نستخدم؟ وإذا كان البياض في الغنم فما هو اللفظ الدال عليه؟ هذا هو مراده في كتابه، وفيه دلالة واضحة على السمات التي تقدمت.

الأشهب يُقال لما فيه بياض من الخيل، والأزهر لما فيه بياض في الإنسان، والأملح لما فيه بياض من الغنم.

حين تُجعل الكتب الأربعة؛ (أدب الكاتب) لابن قتيبة، و (الكامل) للمبرد، و (البيان والتبيين) للجاحظ، و (النوادر) لأبي علي الغالي، أنها أصول علم الأدب، وحين تقرؤها لا تجد فيها سوى الروايات، والروايات فقط، فكيف تكون الروايات أصولًا من غير تطبيق أصول التأليف التي ذكرتها؟!

أما كتب الحديث فإن سمات الحكمة والمنهج فيها أجلى وأوضح، وإن أيّ كتاب سنة من الكتب الأصلية -أي المسندة- إلا وهو دليل على حكمة راقية ومنهج متين، بل كان معيار الحكم على هذه الكتب من خلال عمق هذه السمات وقوتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت