فهرس الكتاب
ولعل الإمام الترمذي ترك لنا الكثير من دلائل هذه السمات في كتابه -نحن الذين لا نقرأ إلا الحرف ولا نعرف الحفر والتنقيب-، فإنه ترك لنا كتاب (العلل الصغير) والذي جعله خاتمة لكتابه (السنن) ، وكشف فيه شيئًا من سر كتابه ومصطلحاته، هذان الكتابان (السنن والعلل الصغير) شرحهما الإمام الذي يملأ العين والقلب والعقل"ابن رجب الحنبلي"، والذي ضاع منهما (شرح السنن) فبقي (شرح العلل) ، هذا الشرح الذي يشكّل مع (النكت لابن الصلاح) لابن حجر بوابة علم الحديث بحق من كتب المتأخرين، وابن رجب إمام جبل، جمهرة علم من حديث وفقه وتربية، وكتبه لا يخطئها إلا الجهلة.
أقول ترك الترمذي بعض سمات المنهج كشرحه لبعض المصطلحات؛ فالحديث الحسن:"كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك"، ومع ذلك وُجد من بعده في أيامنا هذه من جعل للحسن تعريفًا آخر ويعلق على قول الترمذي في بعض أحاديثه:"حديث حسن"بقوله:"قوله ليس حسنًا"، لمجرد أن الحديث مثلًا فيه انقطاع أو إرسال أو رجل ضعيف لم يبلغ القول فيه إلى الاتهام بالكذب، وهو شرط الترمذي في الحديث الحسن، ومع ذلك يريد منا هذا المستدرِك أن نمزّق الترمذي حتى نُدخله من بوابته هو لا بوابة صاحب الكتاب ومنهجه فيه.
وكما فسرنا بعض أوجه الحكم على الحديث بالغرابة بكلام كالحكم سبكًا مع أمثلة قليلة بالنسبة لنا، ولذلك قال فيه:"وقد وصفنا هذا الكتاب -أي العلل- على الاختصار لما رجونا فيه من المنفعة".
ومع كل هذا فقد قال إمام أهل هذه الصَّنعة في زمان"ابن رجب"عن بعض مواطن"العلل"أنها مما يستعصي فهمها عليه وعلى أقرانه.
وسأضرب لك مثالًا من السنن حتى ترى سمات حكمة المنهج التي تقدمت:
قال الترمذي:"باب ما جاء في المصافحة"، ذكر ثلاثة أحاديث ثم قال:"حدثنا أحمد بن عبدة الضبي: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن سفيان عن منصور عن خيثمة عن رجل عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من تمام التحية الأخذ باليد) ."
] وفي الباب عن البراء وابن عمر [.
قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم عن سفيان.
وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يعده محفوظًا، وقال: إنما أراد عندي حديث سفيان عن منصور عن خيثمة عمّن سمع ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا سمر إلا لمصلٍّ أو مسافر) .
قال محمد: وإنما يروى عن منصور عن أبي إسحق عن عبد الرحمن بن يزيد أو غيره، قال: (من تمام التحية الأخذ باليد) "، انتهى كلامه."