فهرس الكتاب
ولتقريب مراد الترمذي نذكر بعض الأمور:
1.هذا حديث يرويه الإمام ويعلم أنه لا يصح من جهة متنه بحال.
2.لم يُرِد الإمام الاكتفاء بنفي صحة المتن إنما زاد أمورًا هي:
أ. استقصى رواياته -أي مفردات الحكمة-؛ فقد رواه عن ابن مسعود، وذكر أنه مروي بمعناه عن البراء وابن عمر.
ب. من عجائب فعله أنه ذكر سندًا غير محفوظ، وهو النوع الذي يُقال له المقلوب؛ أي إن الراوي ركَّب متنًا على سند آخر، وكأنه أراد هذه النكتة من رواية الحديث لا غير.
3.لم يكن وصفه للحديث بالغرابة نافيًا أن تكون له روايات أخرى؛ لأنه أراد غرابة هذا السند لا المتن، وهو خطأ يحيى بن سليم الطائفي.
4.ذكر لنا وجه الصواب -من كلاب البخاري- في السند الذي هو من رواية الضبي عن الطائفي، وهو جانب لا يُعرف أبدًا إلا بالظرف الذي يجعل المحدث يذهب مذهبًا -طريقًا- غير الصحيح، وإلا فكيف علم محمد بن إسماعيل البخاري أنه أراد حديث: (لا سمر إلا لمصلٍ أو مسافر) ؟ وهذا الظرف لا يُعرف إلا من خلال القراءة الاستقرائية لهذا الراوي وللطرق المعتادة في الرواية عنده والتي تغري بالذهاب لمن سبق اللسان أو ضعفت الذاكرة معرضًا عن الطريق الصحيح لعدم وضوحه وعدم شهرته، ولذلك ذهب إلى رواية منصور عن خيثمة وإنما الصحيح منصور عن أبي إسحاق.
5.أمانة علمية في نسبة القول لقائله حين قال:"سألت محمد بن إسماعيل ..."، والحق أن هذا النوع من القراءة العلمية يتميز بها البخاري دون أقرانه ومن بعده من أهل العلم، وهو باب من أبواب من العلل، ليس فقط إدراكها بقوله:"غير محفوظ"، ولكن بما بعدها حين قال:"إنما أراد عندي ..."، وقوله:"عندي"دليل أنها من صناعته ومن اكتشافاته، وهي خصلة جعلت الإمام مسلم يُقبِّل قدمه ويقول له:"يا أستاذ الأستاذين ويا طبيب الحديث وعلله" [1] .
هذه النكت العلمية الواضحة لنا لأنها على السطح مقامًا تدلك على سمات حكمة المنهج كما ترى، وهي تذكرنا بأن أي تدخل من آخر تدمر كل هذا المنح والنكت والفوائد والسمات العلمية.
ولأتوقف هنا وفي النفس حسرات.
أما صياغة الحكمة عند الأقدمين ومنها حكمة النقد، وأخاف أن أقع بين فكّي رجل حاد الأسنان ضعيف العقل فيظن أن كلمة النقد تعني إظهار السلبيات، ولو عمم ما يفعل الصانع بالمعدن من نقود بفعل يسمى"النقد"حيث يستخلص المادة من الذهب أو الفضة كما في القديم أو النحاس وغيره كما في الحديث، يستخلصها من ترابها حيث يزيل عنها الشوائب ثم يبرز ما كان قوة كامنة إلى قوة
(1) ومثل هذه الحكمة لو قالها غير البخاري ممن بعده لنقّبت كثيرًا قبل أن أطمئن أنه قالها وليس البخاري أو من فوقه.