الصفحة 150 من 171

بالفعل من حروف بارزة وصور واضحة تدل على قيمة في المعدن لم تعرف إلا بهذا النقد.

قلت: لو طبق هذا المعنى على النقد في باب المعاني والألفاظ لما احتاج إلى التذكير.

نقد الرجال والزمان، ونقد الكلام من أدب نثري أو شعري أو غيره، ونقد الدول والشرائع فهي عجب من الأعاجيب، والدكتور محمد محمد موسى ضرب لنا مثلًا -فيما أذكر والعهد بعيد- بكلمة الإمام الشافعي في شعر ذي الرُّمة حيث قال: هو كنقط عروس أو كبصر آرام، فليُرجع إليها إذ شرحها شرحًا يجعلك ترتشف روح العلم وتشم عبقه.

وهذا باب يستحق أن تؤلَّف فيه المصنفات لا من أجل قصائد المدح والفخر، بل من أجل تعلم مناهج البحث العلمي، وكيفية صدور الأحكام المتينة من خلال جوامع الكلم المليئة بالمعاني مع قلة كلماتها، وهي الطريقة المثلى كما أشرنا سابقًا إلى تعميق القراءة.

هذه إشارات هنا أردت منها أن الكلمات والكتب لم تعد مغلقة بباب اللغة ومفتاحها المعاجم، لكنها مغلقة بأهم من ذلك وهو"مناهج ومقاصد أصحابها"ولا دخول حقيقي لهذه الكتب إلا من خلال معرفة هذه المناهج، بل إن معيار الكلمة ومعيار الكتاب هو تحققهما بسمات المنهج الحكيم وعمقه.

الدخول إلى الكتب من غير معرفة المنهج يقودك إلى احتمالين أو إلى أحدهما: أن يبقى الكتاب لديك علبة مغلقة قديمة لا تحمل دلالة الثراء والغنى مع أن في جوفها اللآلئ والدرر، وتزداد الطاقة حين يعلوها بعض عوادي الزمن، أو أن يتحول الكتاب إلى قنبلة تنفجر بين يديك آخذة إياك إلى ضلال الفهم ومواطن الوهم.

وها أنا أدلك على أبجديات معرفة مناهج المؤلفين لتتخذها مفتاحًا إلى عالم الكتاب والقراءة، واعذرني أن أكرر لك أنها أبجديات ككل ورقات كتابي هذا فهي لا تعدو هذا الوصف:

1.لا بدّ من معرفة الكاتب والإحاطة بالكثير من ترجمته، وكلما كنت عارفًا به وبأحواله كلما كنت مدركًا لمراده في الكتاب.

فلا بدّ من معرفة عقيدته وأصولها لأنها ستكون آلية حركة فكره وقلمه، وهذا ليس فقط في كتب الأقدمين بل هي مهمة في كتب كل عصر، وفي زماننا هذا تزداد أهمية ذلك، فالكثير من الأفكار التي تراها اليوم إنما هي إنتاج فكري لعقائد آباء الكتّاب وأجدادهم.

علي أحمد سعيد"أدونيس"هذا الكاتب الذي يطرح أفكارًا جديدة عند السذج، هي في حقيقتها أفكار باطنية، وهي أصول الفكر عند أهله وقومه، فهو من"السلمية"وهي منطقة تعجّ بالإسماعيلية النزاريين، وهي طائفة باطنية تعتمد على قواعد الرمزية المغرقة في تشويه مرجعية اللغة، ولذلك لم يُخطئ أحد من مناقشي رسالة الدكتوراة التي تقدَّم بها"الثابت والمتحول"أن يُرجع آلية فهم أدونيس لمفهوم الثبات والتحول إلى جذوره التي عاشها في بيئته الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت