الصفحة 151 من 171

وها هنا لا بد أن أسجل ملاحظة هي الأسى والحزن على المنتسبين لأهل السنة من المفكرين، فإني -شهد الله- ما رأيت مفكرًا علمانيًا في بيئتنا إلا وهو مربوط بجذره إن كانت أصوله من أهل البدع، كالدروز والرافضة والنصيرية والإسماعيلية، ومهما حاول إخفاء ذلك من ادعاء العلمانية، إلا من كانت أصوله تعود لأهل السنة فإنه تراه حاقدًا على هذه الأصول، خارجًا عن الإسلام والتراث بكل معنى الكلمة، وهذه ظاهرة لم أرها قط تتخلف أبدًا.

عقيدة الإنسان التي نشأ عليها لا يستطيع أن ينفكَّ عنها حتى لو حاول، ولكن بسبب عدم شعور أهل السنة في كل البلاد بعقدة تجاه الآخر فإنهم لا يربون على فهم حقد الآخرين وسفالتهم، وإن كانت الأعمال الإجرامية في الأوقات المتأخرة من هذه الفرق وغيرها قد بدأت تعيد حياة الحذر والانتباه من هذه الأفاعي المستترة.

لا تستمع أبدًا لكذب البعض بوجود شيء يسمى بالحياد، فهذا وجوده كوجود الغاز المثالي؛ أي كما كان يقول سلفنا:"وجوده في الأذهان لا في الأعيان"، وبالتالي لا يوجد إنسان بلا عقيدة توجِّهه وتتغلغل في كيانه وتبدو على صفحات كلماته وكتبه.

عقيدة الكاتب وجذوره تكشف لك الكثير من معاني وألفاظ الكاتب، ولولا معرفتك بهذه العقيدة لكانت الكثير من مخبوءات معانيه خافية عليك.

عندما كان الزمخشري معتزليًا فإن قراءة العلماء لكتابه (الكشاف) كانت مختلفة ما لو لم يكن كذلك.

اليوم كثيرون يزعمون العمل لتفعيل الإسلام وتجديده وإحيائه، ولا يمكن تمييز هذه الدعوات من جهة دلالة كل لفظ في نفس كاتبه، وبالتالي مقصده وهدفه إلا من خلال معرفتك بالداعي لهذا التفعيل؛ معرفتك بعقيدته وصلته بالإسلام وفهمه لحقيقة الدين؛ وكما قال الإمام علي -رضي الله عنه-:"ليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه"، وبالتالي كثير من أصحاب النوايا الحسنة قد خدعتهم الألفاظ لحسنها، ولم يعلموا أن وراءها سمًّا قاتلًا وذلك لعدم اعتنائهم بالنظر إلى دين الرجل وعقيدته.

الإنسان الذي يُربَّى على النفاق والتقية، والإنسان الذي يربى على أن الجاسوسية دين، مثل هؤلاء يجب مراعاة الخور في فهم دعواتهم وشعاراتهم وكلماتهم مهما بدت جميلة وبرّاقة.

تأمل دعوات القومية واللادينية والعلمانية كيف امتطاها المشبوهون وخريجو حوزات النفاق وقيح الحقد، ثمّ هم أول المترجلين عنها حين تبدو معالم الأفول تظهر، هم آكلون على كل بساط، لاعنون الكل متى كان لعنه مصلحة، والسُّذّج من المسلمين هم مطاياهم في تنفيذ مآربهم، وذلك حين يستجيبون لألفاظ جميلة في نفوسهم لكنها على حقائق قذرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت