الصفحة 152 من 171

كذلك لا بد من معرفة سجالاته، وعلاقاته الفكرية، وصلاته بالمؤسسات مشبوهة وغير مشبوهة، وإني لأدعو طلبة العلم ممن يعيشون عصرهم وما يُكتب فيه من أفكار وإبداع أن يُحيوا كتب الرجال والتي تكاد تُختم بكتاب (الأعلام) للزركلي، وهذه المصنفات تحتاج إلى قارئ نهم ومتابع، مع شروط العلمية والموضوعية، وهي شروط أهل العلم القدماء في الكلام على الرجال.

اجمع ما استطعت من أخبار عن الكاتب ومحِّصها، وتعامل معها عن طريق القراءة الناقدة التي أشرنا لها، فلا يوجد أحد يستطيع أن يقدم لك كل شيء عن غيره ولا عن نفسه.

أكثِر من قراءة كتب المذكرات فهي نافعة جدًا، وكتب السير والتراجم، وإياك والسقوط في أسر الحب المفرط أو البغض المفرط بل كن عادلًا منصفًا، إذ كثيرًا ما يكتب أحدهم سيرة غيره فيرفعه إلى مرتبة الملائكة أو يسوّده فيجعله الشيطان الرجيم وما عليك إلا أن تدقِّق وتصفّي وتحكم.

2.لا بدّ من معرفة مصطلحات الفن الذي يخوض فيه الكتاب؛ فكل من له مصطلحات الخاصة به ومن دون معرفتها يبقى الكلام غير مفهوم؛ وهذا الفن -علم المصطلحات- علم مهم ورفيع وهو في كل العلوم الباب الأول لا يُدخل إليه إلا من خلاله، وللقدماء اعتناء به فأُلفت في الكتب والمصنفات، بل ما من كتاب يؤلَّف في باب من أبواب العلم إلا وفيه هذا المبحث، وحين يهرب أهل هذا العصر من تعريف مصطلحاتهم وكلماتهم فإن السبب هو عدم وجود التصور الواضح لهذه المصطلحات لأن أغلبها مسروق عن الغرب ومترجم بطريقة أمية هزيلة، ولذلك لا عليك اليوم أن تجد ألفاظًا يجترها القوم وكل واحد يستخدمها بمعنى خاص لديه.

ثم إن من العلم الذي قَلَّ أهله هذه الأيام هو علم إنشاء المصطلح؛ فإن"المصطلح"علم له أصوله وتاريخه، فالمصطلحات يعتريها ما يعتري كل حي من التبدّل والتغير والحياة والموت.

3.لا بدّ من معرفة سبب تصنيف الكتاب، فهل وضعه مصنفه للتعليم؟ ومَنْ قصد من المتعلمين؟ أو لغير ذلك؟ فكتاب (الرسالة) لأبي زيد القيرواني وضعه للأطفال ليحفظوه مع القرآن عصمة لهم من فكر الباطنية الذي انتشر في المغرب، و (مقدمة ابن الصلاح) في مصطلح الحديث وضعه لتلاميذ مدرسته، وبعض أهل العلم اتّهم أبا الحسن الأشعري أنه وضع كتابه (الإبانة) إرضاءً لحنابلة بغداد لمّا دخلها، وهذا اتهام البربهاري وغيره، وهو الذي دفع ابن عساكر أن يكتب كتابه (تبيين كذب المفتري) ، وابن تيمية ألّف (الصارم المسلول) لحادثة اليهودي الذي سبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فثار الناس لقتله، فاحتمى ببعض الأعراب ثم أسلم حتى يعصم دمه، فاختلف الناس في مسألة"هل الإسلام يرفع عنه حد السب أم لا"، وكثير من كتب التاريخ التي انتشر فيها الكذب على الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية إنما وُضعت زمن البويهيين لما فيهم من"رفض"، إذ وضعها أصحابها إرضاءً لهم.

وهذا باب وسيع في كتب الأقدمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت