الصفحة 153 من 171

وأما من المعاصرين، فقد خاض الناس مثلًا في سبب ترجمة إحسان عباس لقصة (موبي ديك) الحوت الأبيض، فكشف لعلي العميم في لقاء صحفي أنه ترجمه لسد حاجة المال، وللأسف هذا السبب غالب هذه الأيام -إلا من رحم الله تعالى-.

ومعرفة سبب التصنيف قد يذكره المؤلف في كتابه أو يعترف في مكان آخر أو من خلال دراسة القارئ لظرف الكاتب.

4.لا بدّ من معرفة"تصنيف الكتاب"؛ فكتاب المناظرة غير كتاب التعليم، وكتاب التاريخ غير الرواية وإن كانت تاريخية، وكتب الشروح غير المراجعات وهكذا، وإنه ينبغي الحذر من الخداع الذي يمارسه بعض كتّاب القصة التاريخية اليوم، إذ أنهم يستخدمون التاريخ لتمرير مقاصدهم الخفية وذلك بإنشاء أحداث وهمية، يُلبسونها لباس باب الخبر التاريخي ليحصل لهم مرادهم بقوة، فأمين معلوف في روايته (سمرقند) خَبَطَ خَبْطَ سوء وانحراف وأسقط الكثير من نظرته السوداء على تاريخ أمتنا، ولو نوقش من أين لك هذه الأخبار؟ لقال هو أو المدافع عنه: إنها رواية وللراوي حرية الخيال والخلق والإبداع، وبالتالي يمرر تصوره للتاريخ من خلال هذه اللعبة، وهذه فعلها بإتقان جورجي زيدان، فقصته مثل (فتاة غسان) فيها من الإسقاط الشخصي والعقدي على تاريخ أمتنا الشيء الكثير، ولكن تتخفى تحت ستار الرواية والقصة، حيث تُظهر العرب النصارى في شمال الجزيرة العربية من الغسّانيين بمظهر متمدّنٍ حضاري من كل الجوانب، سواء الفكرية أو العمرانية، وتظهر العرب الذين اختاروا الإسلام هم أجلاف الصحراء وضيقو الأفق، والحقيقة أن الرواية التاريخية بهذا التشكيل الجديد هي تطوير للرواية الشعبية القديمة في تمجيد تاريخ الأمم الراوية واحتقار مخالفيها عن طريق الحكايا والقصص، فلو قرأت (حكايات الراوي الجوّال) الهندية مثلًا لرأيت كيف تلتقي تمامًا مع هذه الروايات المعاصرة، إذ فيها تمجيد الآباء والأجداد وثلب خصومهم، فانتبه لهذا فإنه مهم.

ومرة أخرى أعود لأمين المعلوف، لأن كل من يكتب الرواية التاريخية اليوم كرضوى عاشور في (غرناطة) إنما يُسألون دائمًا عن تأثرهم بهذا"المعلوف"وهو الجاري على سنن"جورجي زيدان"، وإني لمذكّر القراء بأنه نصراني ماروني، وترعاه المؤسسات الفرنسية، وحقده على تاريخ أمتنا يتلوّى كسمٍّ نقاع في كل نصوصه، وإن قدّر الله لي أثبت نصه الأخير في كتابه (الحروب الصليبية كما رآها العرب) فقط لترى أي حقد يكنّه هذا"المعلوف"على تاريخ أمتك، ولكن هنا أثبت لك جملة واحدة فقط ولن أعلق عليها شيئًا بل اقرأ مقابلها كتاب (الاستشراق) لإدوارد سعيد لترى كذبه وعدم إنصافه.

يقول"المعلوف":"وكثيرًا ما يدهش المرء عندما يكتشف إلى أي مدى ظل موقف العرب، والمسلمين بعامة، متأثرًا إلى اليوم بأحداث يفترض أنه انتهى أجلها منذ سبعة قرون".

أرأيت؟! فقط العرب هم المتأثرون إلى اليوم بالحروب الصليبية وليس الغرب، وليس جورج بوش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت