نموذجية هي التي سميناها"المثال"، يريد أن يعيشها، يتنفس مثلها، يحكي حكايتها، وعندنا نحن الصورة هذه ملأها الشرع، حتى وهو يتعامل مع أعظم شخصية في الوجود -وهي شخصية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم- أوقف له مرايا أمامه، هم الأنبياء وقال له: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، قال له: {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ، نَسَب الملة إليه مع أنه هو التوحيد، ولكن نسب الملة إلى رجل؛ هذا لأن الفطرة تقوم على هذا.
فنحن نريد أن نصنع المثال، وأنت تقرأ لا تكفي الكلمة، الكلمة هذه قد تصنع شيئًا كثيرًا من الحق، لكنها كذلك لا يمكن أن تصنع التوازن لوحدها، ولا يمكن أن تصنع دَفْق الإرادة لوحدها، ولا يمكن أن تدفع أنت عنك نوازع الشيطان إلا بوجود المثال.
النص وقراءاته:
النص يمكن أن تقع عليه قراءات؛ فالنص الواحد لا يفيد عادةً معرفة واحدة لتقرأه مرة واحدة ثم تأخذ هذه المعرفة ثم ترحل، وتترك النص بعد ذلك جثة هامدة، قد أخذت منها المقصد ورحلت عنها، هذه طريقة يظن البعض أنها سديدة، فيتخيل أنه قرأ كتاب (البداية والنهاية) مثلًا، وهو قرأه مرة واحدة، هو في الحقيقة لم يقرأه؛ لأن هذا الكتاب لا يمكن أن تستوفي منه أغراضه العلمية بقراءة واحدة، لا بد أن تقرأه مرات، وأنا لا أقصد بالقراءة مجرد الاطلاع، فـ"قرأ"بمعنى"جمع"؛ لأن القراءة أُخذت من الجمع، كذلك الكتابة؛ أصل كلمة"قرأ":"جمع"، وأصل كلمة"كتب":"جمع"، لذلك تؤخذ منها كلمة"كتائب"، ما معنى كتائب؟ يعني جمع إنسان وراء إنسان يسمى كتيبة، فأصل كلمة قرأ في المعنى هو أصل كلمة كتب، فالقراءة هي اطّلاع المرء على ما كتب، فأولًا لك أن تقرأ بمعنى أن تجمع ما يريد الكاتب من كتابته، وربما أن تجمع ما لا يريده الكاتب.
فإذًا الكتب الجامعة -وخاصة الكتب التي كُتبت لمقاصد عدة- لا يمكن أن تستوفي منها أغراضها بقراءة واحدة، ولذلك لما سألني أحدهم لماذا قرأت مثلًا (الرسالة) أكثر من مائة مرة؟ الجواب: لكل قراءة مقصد، أنا أريد أن اقرأ (الرسالة) أولًا لكي أعرف أصول الفقه، وهذا هو الوضع الأول لهذا الكتاب، يذهب إليه طالب العلم الأصولي ليعرف آراء الإمام الشافعي من كتاب (الرسالة) ، وفي أسبوع واحد تستطيع أن تستوفي مقاصد الإمام بالنسبة لهذا الموضوع. لكن ما يُطرح أمامك من قضايا تعود إليه قراءة بعد قراءة: أنت انتهيت من المسائل الأصولية؛ فهل للشافعي ذوق بياني في الشعر؟ هل للشافعي ذوق بياني في لغة العرب؟ فتذهب تتقفَّر، لأنك سمعت الجاحظ يقول:"قرأت كلام هؤلاء النُّبغاء فلم أجد أفضل كلامًا من كلام الشافعي"، أين هذا الذوق؟ أنت في القراءة الأولى لم يكن هذا نظرك، كانت تفوتك هذه الجماليات في كلام الشافعي، فلا بد أن تعود إليه مرة أخرى.