الصفحة 168 من 171

لما تقول: كتاب (الاعتبار) لأسامة بن منقذ؛ فهو كتاب يتحدث عن الحياة، هذا نموذج، لماذا كتاب (الاعتبار) ؟ هو وَضَعه لهذا العنوان؛ لأنه أراد لمن يقرأ الكتاب أن يعتبر، لما يحدث قارئه من أحداث، يقول له: اعتبر، اتعظ.

فهو أراد الاعتبار، أراد القصص؛ لكن هذا أنت تقرأه على هذا المعنى -أنك اعتبرت-؟

هو يريد أن يقول لك أن الموت لا يأتي بأسبابه التي يخافها الناس، الناس يخافون الموت، لذلك يهربون من المعارك، يقول إن الذين رموا أنفسهم في المعارك لم يموتوا، إنما مات الذي هرب منها، فمات لما وضع قدمه -كما في القصة- في زربوله، زربول هي كلمة رومانية تعني البسطار أو الجزمة باللغة الشامية، لأنهم يلبسون الثياب الثقيلة، فوضع رجله فإذا فيها عقرب لدغته مات، فهو هرب من المعارك، وأبوه خاض الحروب كلها ضد الصليبيين والإسماعيليين، ومات على فراشه، لذلك فاعتبر، يقول لك أنت تنتهي بالموت، ولكن هل هذه القراءة كافية؟

أنت تعود إليه لتقرأ الحياة الاجتماعية؛ ما هو دور المرأة في تلك الفترة من حياة هذه الأمة، أسامة بن منقذ رجل عاش تقريبًا مائة عام، ذُكرت سنة وفاته وسنة ولادته، وهو لأنه من أبناء الأمراء، وكما يقول الأستاذ الإمام محمد أبو زهرة:"أن عامة الأئمة لا يُعرف وقت ولادته لأنهم وُلِدوا مغمورين، لكن عُرف وقت وفاتهم لأنهم ماتوا مشهورين"، هذا بخلاف ابن حزم ذكر وقت ولادته، وساعتها، ومكانها؛ لأنه ولد ابن وزير، لذلك عُرف وقت ولادته. وكذلك أسامة بن منقذ هو ابن أمير، فعُرف وقت ولادته، هذه قضية اجتماعية، إذًا الحياة الاجتماعية أنت تدرسها.

لباس الناس، أنت تذهب لكتاب (الاعتبار) لتعرف ماذا كان يلبس الناس في تلك الحروب، أنت تريد أن تعرف العلاقة بين الغالب والمغلوب، بين المتصارعين، هل هناك كانت حياة اجتماعية بين الصليبيين والمسلمين؟ كان هناك أصدقاء من الصليبيين يدخلون على المسلمين؟ أنت تريد أن تعرف كيف كان يتعامل الصليبيون مع الأسرى؟ هذه قراءة أخرى تختلف، أن تريد أنت تعرف كيف يُربَّى أبناء الأمراء، لا أبناء المغمورين، أبناء الأمراء، ما كانوا يربونهم في الفنادق ولا في الملاهي، كيف كان الأمراء يربون أبنائهم؟ كيف رُبِّي أسامة بن منقذ؟

إذًا النص الواحد لا يُخرج كنوزه بقراءة واحدة، من أجل هذا قلنا النص له قراءات، يجب أن تفهمها ويجب أن تعرفها، يجب أن تنظر فيها، هذه القراءات هي التي توسع لك المدارك فتُنتج.

دائمًا انتبهوا أن الأئمة الأوائل يضعون العناوين ويُفرِغون فيها إبداعهم، يضعون سر الكتاب في العنوان، -وليس هو كالسجع المقيت هذه الأيام-، كما أننا قلنا قبل مرة أن الأئمة يخرجون إبداعهم في المقدمات، كذلك عناوين الكتب، يهتمون بها اهتمامًا عظيمًا.

افتراق النص عن كاتبه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت