الصفحة 169 من 171

يجب على القارئ أن يضع حاجزًا بينه وبين الكاتب، أكرر هذه النقطة لأهميتها لكيلا يبتلعك الكاتب؛ وهي افتراق النص عن كاتبه.

من المهم جدًا قبل أن تقرأ نصًا أن تعرف كاتبه، وهذه القضية مُسلَّم بها لأسباب كثيرة:

منها أن النص قد يعجز بذاته عن الإبانة عن مراد صاحبه حتى تعرف الكاتب كله في شخصيته وعماد صورته، فكل إنسان له عماد الصورة، عماد الصورة هي الفكرة المكوِّنة له، أو هي العقيدة التي تنبثق منها أفكار هذا الرجل، وتنبثق منها كلماته وكتبه، ومرات الكاتب تشتبه كلماته في مراده وتشتبك، فلا بد أن تعرف من الذي يقول هذا الكلام، وحين تعرف الكاتب؛ تستطيع أن تغوص وتدور في مدارك ما يقوله.

وهذه قضية ملتبسة مشكلة؛ فنحن نقول: عليك أن تعرف الحق دون أن تعرف رجاله، كما قال الإمام علي-رضي الله عنه- وقد جُودل في مسألة خلافه مع عائشة وطلحة والزبير، قال:"لا يُعرف الحق بالرجال"، إنما قصده أن يقول إنما يُعرف الحق بالحق، اعرف الحق تعرف أهله.

إذًا القضية الأولى بالنسبة لنا هي أن تقرأ النص بعيدًا عن كاتبه، وهنا أفتح قوسًا وأقول: (بلا شك أن هناك شيئًا اسمه"علم نفس الدليل"-سيكولوجية الدليل-) ، كيف؟ وهذه أنا أضطر إليها، وكل كاتب يضطر إليها، وهي إحدى التطبيقات قوله -سبحانه وتعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} ، ومِن لسان قومه أن تعرف الشخوص المؤثرين في هذا الإنسان من أجل أن تطرق الحق الذي يغيب عنه من خلال ما يعرفه ويحبه. أتكلم عن نفسي؛ مرات أعرف نصًا للشافعي، وأعرف أن ابن تيمية قد قاله، وأنا أعرف الناس، فأقول:"قال ابن تيمية"، مع أنه في أي باب من أبواب الدين ليس ابن تيمية يقارب الشافعي، لا في العربية، ولا في الأصول، ولا في الفقه، ولا في الحديث، لكنني أضطر أن أقول:"قال ابن تيمية"؛ لأني أعلم أن الذي أمامي مفتاح قبوله للكلام أنه يُمهَّد له بذكر ابن تيمية. ولما أريد أن أفتي في موضوع صدقة الفطر أنه يجوز أن تُخرج مالًا، لا أقول:"قال أبو حنيفة"؛ لأني لو قلت:"قال أبو حنيفة"، ستجد الناس تقول:"من أبو حنيفة؟!"لكني أضطر أن أقول:"قال ابن تيمية".

إذًا كيف نوفِّق بين هذه القضية -وهي قضية ضرورة معرفة القائل- وبين أن النص يحمل سمته بنفسه؟

لا بد أن ينشأ لدينا علم الجرح والتعديل كما نشأ عند أئمتنا، وهو العدل، وهو أنه لا بد أن نُفرِّق بين النص وقائله بميزان.

الناس لا يعرفون أن كتب العلماء هي كتب منهجية، حتى وهم يُرتِّبون الروايات، هنا أفتح فقط رَوْزَنَة -نافذة صغيرة- على طرق كتابة العلماء السابقين لكتبهم المبنية على الرواية؛ يأتي الجاهلون ممن لا يعرفون قيمة السلف ولا يعرفون عقولهم فيرونها كتب رواية، أي أنهم فقط نَقَلَة؛ إذا جاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت