فهرس الكتاب
الرجل إلى كتاب (تفسير الطبري) لا يرى فيه عقل الطبري ولا يرى علمه، فقط يرى حفظه، لا يرى عقله، لا يرى إبداعه، ينظر فقط إلى سعة اطلاعه وإلى جمعه لروايات المفسرين السابقين، ولا يرى منهجًا.
وهذا من الانحراف؛ الاختيار منهج، كان هناك عند علماء الحديث شيء يسمى الانتقاء، أو المُنتَخَب، -ولا أريد أن نقف عندها، يُرجع إليها في كتب المصطلح-، ما معنى المنتخب؟ ما معنى الانتقاء؟ الانتخاب هو الانتقاء، منهج نقدي صارم، هو إعمال هذا المحدِّث لأعلى درجات النقد لقضية ترتيب وسوق الأحاديث:
عندما يأتي واحد ويقرأ (سير أعلام النبلاء) -وعامة مكتبات الشباب تحتوي على هذا الكتاب-؛ فهو لا يرى الذهبي فيه، يرى أخبار السابقين، لكن لا يرى المصنف ومنهجيته وعقليته فيه؛ السبب أنهم جهلة لا يعرفون المادة التي أنشأت هذا الكتاب: كيف قبِل الذهبي هذه المادة ورفض غيرها مع أنها عنده، لماذا قبل ورفض؛ هذا منهج.
عندما يأتي الذهبي في (سير أعلام النبلاء) ويقول عن رجل: بأنه العاقل الذكي الألمعي، وأنه مع ذلك من القائلين بكذا وكذا من العقائد البدعية الجبرية، هذا التمايز في قراءة الشخص هو ما نحتاجه هنا، ما الذي أبدع فيه، وما الذي أخفق فيه، طريقة الكيل بمكيال واحد لا تنفع في قراءة الشخص، يجب أن تقرأ الشخص، وكما قلنا سابقًا:"النص له قراءات"؛ فالآن نقول:"الكاتب له قراءات"، يجب عليك أن تعرف ما الذي تأخذه من هذا العالم، ما الذي ترده، ما الذي تقبله، ما الذي ينفعك فيه، وما الذي لا ينفعك فيه، هذه طريقة أهل الحديث، في افتراق النص عن كاتبه.
يجب أن تفرق بين النص وبين كاتبه، بحيث تقرأ النص قراءة منفصلة عن بقية مكونات هذا الكاتب، ولذلك عندما أقول:"قال الجاحظ"أعرف العقل الإسلامي المتخلف، خاصة العقل السلفي المعاصر، كلمة"الجاحظ"تثير الاشمئزاز، لما أقول:"قال أبو حيان التوحيدي"، وهو زنديق -يقول ابن الجوزي: الزنادقة ثلاثة؛ رأسهم وإمامهم أبو حيان التوحيدي وليس الأندلسي صاحب التفسير-، هذا لا بد أن تقرأه، هو جزء من تكوين تاريخك الإسلامي، وجزء من الثقافة التي أنشأت مجتمعًا إسلاميًا، وكان فيها حروب يجب أن تعرف فروعها.
فأنت لمّا تستَدِل به لا يعني أنّك زكّيته، ولا يعني أنك أخرجته ليكون إمامًا مُتَّبعًا في الدين، أنت أخرجته على طريقة المحدثين، هو محدِّث صدوق، صادق ومرجئ أو خارجي، فالبخاري روى عن مرجئة وعن قدرية، وروى عن خوارج، لأن هذه محنة الحق؛ الحق له مصدره وحقله فيُمكن أن يُقبل وحينئذ لا يوجد فتنة، لكن أن يأتي الحق من غير سبيله هذه فتنة.