فهرس الكتاب
كون الصراع في منطقة هي الخطأ ومنطقة هي الصواب، منطقة هي السنة ومنطقة هي البدعة، لا يعني أن كل ما صدر عن منطقة البدعة هو بدعة، ولا على أن منطقة السنة لا تُنشئ إلا سنة، هذا خطأ ...
إذًا يجب أن نُفرِّق بين النص وبين كاتبه، ويجب علينا كذلك أن ندخل النص من خلال قراءتنا لكاتبه، لا لنحمل ما نعرفه عن كاتبه لنقبل النص أو نتركه؛ بل من أجل أن نقرأ النص من خلال رؤيتنا لعمود صورته، حتى لا نخطئ، حتى نعرف هذه العبارة ما موقعها من جغرافية الفكر وما هي جغرافيتها من الكتابة.
فيجب علينا أن نعرف الكتاب ما هو منهجه، وما هي خارطته باعتبار نفسه بعيدًا عن الكاتب باعتبار صورته ما هو، وإلا إذا طبقنا طرائق بعضهم من المعاصرين؛ حرقنا كتب السنة، كما قام بعضهم بإحراق (فتح الباري) لأن ابن حجر أشعري، وهذا ما كنت أصدقه، ما ظننت أحدًا -ممن يُسمّى في خلق الله بالإنسان- أن يأتي إلى (شرح صحيح المسلم للنووي) ويحرقه، ويزعم أنه من طلبة العلم!! ما صدقت أن بشرًا يفعلها، وهذه لم يفعلها قط أحد من الأئمة، قد يقول قائل أن الإمام مالك كان ينفِّر من أهل البدع، نقول: الإمام مالك كان في زمنه المحدث من أهل السنة، والفقيه من أهل السنة، وصاحب العقيدة لأهل السنة، لماذا يذهب إلى أهل البدع؟ اليوم إذا تريد الفقه يجب أن تذهب إلى من هو أشعري، وإذا أردت اللغة يجب أن تذهب إلى من هو صوفي، وإذا درست العقيدة يجب أن تذهب إلى من هو سلفي، وهو من أجهل خلق الله في الفقه أو اللغة، إلى آخره، العلوم قد افترقت، وشيخ الإسلام له نص في (الفتاوى) ، يقول أنه تلقّى العلم عن آبائه وفيهم بدع، يقول:"لما نشأت في بداية الطلب كان في آبائي مذهب"؛ ويقصد الإمام بذلك أن عامة الحنابلة في زمنه كان مذهبهم هو مذهب التفويض، من زمن ابن قدامة يقرِّرون أن مذهب أهل السنة هو التفويض، أي تفويض المعنى، وهو خلاف أهل السنة فأنكره، ومع ذلك فمن أين أنتج ابن تيمية علومه في أصول علومه وعلوم الآلة؟ من آبائه، في الأصول من آبائه، في اللغة من آبائه، في التفسير من آبائه، وكانوا على هذا، فهل جاء إليهم وكفّر آباءه؟ هذا لا يفعله إلا جاهل.
فيجب علينا أن نتعامل بعلم الجرح والتعديل كما عند السلف، وذلك بالتفريق بين النص وكاتبه، فالحق نقبل به إن جاءنا من أي جهة، وهذه تحتاج إلى معاودة كتب في هذا الباب، ومعرفة كلام علمائنا في قبول السني، وأن السني قد يُخطئ، والبدعي قد يُصيب، وأن من اعتاد الخطأ قد يصيب، ومن اعتاد الصواب قد يخطئ، وكل ذلك من أجل أن تكون محنة في الناس من أجل أن ينظروا إلى الحق وليس إلى شخصه، هذا من العدل والإنصاف، وهذا إن أخطأناه كفّرنا الأمة.
وهذه النقطة التي نتكلم عنها، لا تظنوا أنها بينة واضحة، لأن الآن من يخالفنا في مسألة ضلَّلْناه، وهناك من خالفنا في مسألة فكفّرناه، هناك من يُكفِّر في خلافه في المسائل، يجعل أمورًا من أصول