الصفحة 25 من 171

يحتاج إلا لقليل من المعالجة في بعضه ليبدو مراد قائله منه، وإني لأعجب من هذا الجيل الذي يُقبل بعضه"وهم من يقال لهم بالمثقفين والمفكرين"لقراءة ما يقال له بالشعر الحداثي الذي يعترف قائلوه أنه ليس من أجل التواصل مع القارئ، ولا من أجل التذوق والإنشاد، ويعاني الدارسون له معاناة شديدة لفهم مراده كما اعترف أحدهم -وهو من كبار نقاده- أنه بذل سنوات عديدة حتى يدرك بعض ما يراد منه، وكلامهم أشبه بهذيانات الصرعى والموسوسين، ومع ذلك يُقبلون عليه ويُعرضون عن الشعر الحقيقي، مع أن هذا الشعر الحداثي هو جزء من أسباب القطيعة بين الأمة والقراءة، والشاعر وجمهوره، والبيان والتذوق، وها هو بعض من يمدح الإنتاج الإنساني عند غيرنا يعترف أحدهم -وهو مترجم- أنه بذل من عمره سبع سنوات لفهم مصطلحات الكاتب الذي لا يكتب عن اللغة السنسكريتية ولا الصينية بل يكتب عن الإسلام والقرآن! يقولون هذا بافتخار ورفعة نفس وامتداح بالعلمية، فإذا قيل له: هل قرأت في كتب التراث الإسلامي؟ قال لك: لغة القدماء شاقة صعبة، وقواعد النحو تتعبني ولا أقدر على فهمها.

وهذا كما اتهم أحدهم أن أكبر معضلة في البيان العربي هو"علم النحو"، فإنه المانع الأكبر عندهم لحصول العلم من مصادر المتقدمين كما يزعمون، بل علقوا نهضة الأمة على تدمير هذا العلم وإحلال العامية، وصار من المسلَّمات أن"النحو"وقواعده أصعب من فهم نسبية أينشتاين، وتواطأ على هذا الاتهام تعليم قاصر في المدارس الرسمية، ومعلمون لم يُحكِموا علم ما يعلمونه للتلاميذ.

والحق أن علم النحو هو من أجمل وأَقْعَد أنواع علوم العربية؛ فهو علم بناء اللفظ وهو علم المعنى، إذ لا يمكن إجراء الإعراب إلا إذا فهمت المعنى، وليس فيه من قاعدة إلا لها علتها وسببها الرائع الجميل، وهو علم أشبه بالنَّياشين على صدور المتكلمين والخطباء والكتاب والمفسرين، فهو يحمل الدلالة على رقي كل واحد من هؤلاء، وهذا هو الفارق بين العلم الحقيقي وبين لعب الأطفال وبناء أبنيتهم وقصورهم بالرمال على شواطئ البحار.

أي مشقة عند إنسان يَعقِل يُعلَّمُ أقسام اللفظ الذي ينطقه؟؟

حين يقال لك أن لفظك ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف، وعلامات الاسم كذا وعلامة الحرف كذا وعلامة الفعل كذا؛ فهل هذا شاق إلا على السفهاء والحمقى والممرورين؟!

أو حين يقال لك: والفعل ثلاثة أقسام: ماضٍ ومضارع وأمر، وعلامة كل قسم.

أو حين يقال لك عن الإفراد والتثنية والجمع.

أو حين يُضبط لك المنادى وأدوات النداء، أو حروف الجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت