الصفحة 24 من 171

أما معلقة عمرو بن كلثوم، فهي ما لو قرئت على الصبيان لما وجدوا فيها عسرًا ولا مشقة في أكثرها، انظر إليه وهو يقول في بعضها:

نَزَلْتُمْ مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنَّا ... فَأَعْجَلْنَا الْقِرَى [1] أَنْ تَشْتِمُونَا

قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً [2] طَحُونَا

نَعُمُّ أَنَاسَنَا وَنَعِفُّ عَنْهُمْ ... وَنَحْمِلُ عَنْهُمُ مَا حَمَّلُونَا

نُطَاعِنُ مَا تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا ... وَنَضْرِبُ بِالسِّيُوفِ إِذَا غُشِينَا

بِسُمْرٍ مِنْ قَنَا الخَطِّيِّ لُدْنٍ ... ذَوَابِلَ أَوْ بِبِيضٍ يَعْتَلِينَا

كأَنَّ جَمَاجِمَ الأَبْطَالِ فِيهَا ... وُسُوقٌ بِالأَمَاعِزِ يَرْتَمِينَا [3]

نَشُقُّ بِهَا رُؤُوسَ القَوْمِ شَقًّا ... وَنَخْتَلِبُ الرِّقَابَ فَتَخْتَلِينَا

وهذه الأبيات التي ذكرتها ربما هي أصعب ما في القصيدة وإلا فهي على منوال:

أَبَا هِنْدٍ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا ... وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا

بِأَنَّا نُوْرِدُ الرَّايَاتِ بِيضًا ... وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْرًَا قَدْ رَوِينَا

وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصَيْنَا المَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا

أو مثل قوله:

بِأَنَّا المُطْعِمُونَ إِذَا قَدَرْنَا ... وَأَنَّا المُهْلِكُونَ إِذَا ابْتُلِينَا

وَأَنَّا المَانِعُونَ لِمَا أَرَدْنَا ... وَأَنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينَا

وَأَنَّا التَارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا ... وَأَنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا

وَأَنَّا العَاصِمُونَ إِذَا أُطِعْنَا ... وَأَنَّا العَازِمُونَ إِذَا عُصِينَا

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْوًا ... وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدَرًا وَطِينَا

فأي مشقة يجدها القارئ اليوم حين ينظر إليها ويتأملها ويتعرف على مقاصد قائلها؟!

إنها تهمة عارية عن الدليل، قَصَد مُطلِقوها قطع الأمة عن لغتهم وتراثهم وتذوق هذه اللغة الجليلة الرائعة وشعرها الدَّافق الرَّائق.

ويكفي ما قدمته من أمثلة من الطوال، ومثل ما قدمت معلقة عنترة والحارث بن حلزة وقبلهم جميعًا امرؤ القيس، ولو نظر الناظر للشعر الجاهلي؛ لرآه في أكثره على هذا النحو: سهل ميسور ولا

(1) القِرى: طعام الضيف.

(2) والمرداة ما زال البعض يستخدمها وهي الحجارة التي يرمى بها الأعداء.

(3) وسوق: جمع وسق وهو مكيال يكون حمل البعير، والأماعز: الأماكن التي تكثر فيه الحجارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت