فهرس الكتاب
مع أن هذا التوافق والاختلاف له أسبابه وعلله العلمية الجميلة ولولا مخافة التطويل لذكرتها لك.
أما القاعدة الثانية فهي تتعلق بالرسم، وهي تُذكر مع النحو عادة، أي رسم الألف المقصورة أو الممدودة، فإنك تكتب"الربا"هكذا بالألف الممدودة وتكتب"هدى"بالألف المقصورة، وقاعدتها سهلة ميسورة. اسمع إلى أحد العلماء كيف صاغ قاعدتها بشعر جميل واضح:
إذا الفعل يومًا غُمَّ عنك هجاؤه ... فألحق به تاء الخطاب ولا تَقِفْ
فإِنْ تَرَهُ بالياء يومًا كتبتَهُ ... بياءٍ، وإلا فهو يكتب بالألِفْ
فـ"رَبَا"إن أُلحقت بها التاء صارت:"ربوت"، فتحولت الألف إلى واو فحينئذ كتبتها بالألف الممدودة، أما"هدى"فحين إلحاق التاء بها صارت:"هديت"، فتحولت الألف إلى ياء فكتبت بالألف المقصورة.
وإذا تجاوزت الكلمة ثلاثة حروف تكتب بالألف المقصورة مثل مصطفى، ومرتضى، واستدعى.
وهكذا انتهت القضية، فهل هذه أصعب أم تلك اللغات والتي فيها مئات الكلمات التي لا ضابط لها في الرسم والتصوير، وإنما تكتب بلا قاعدة بل الرسم المجرد وفقط؟!
وهذان مثالات يدلان عما وراءهما من هذا العلم السهل الممتع الجميل، ومع معلم متقن متذوق، وكتاب (الآجرومية) فقط، وبُمدة قليلة؛ تكون عالِمًا بأسسه الأولى وقواعده الأصلية، ولكل علم مراتب أخرى فوق القواعد والأصول يرتقي فيها المرء وترتفع درجته فيه.
ومما يُستغرب منه أن بعض المأمونين على هذا التراث اليوم يعجبهم وينشرون القول بصعوبة هذه العلوم وأنها تحتاج الحياة كلها ولا يتقنها الناس، وهذا لعمرُ الحقِّ انحراف وضلال وموافقة قبيحة لأعداء الأمة في تنفيرهم الناس وصرفهم عن الكتب والقراءة.
لو رجعت إلى ما قاله بعض الأصوليون في شروط المجتهد لرأيت أن شرط المجتهد عندهم أيسر مما يشيعه هؤلاء المتكلفون جهلًا أو الحاقدون عماية، بل إن أصول العلوم التراثية أسهل من كتب الطبخ التي يضعها الطباخون اليوم ولا شك، لكنه الحقد من قوم، والجهل من آخرين، والوهم في عموم الأمة، وفساد التعليم وأساليبه، كلها تؤدي إلى هجران العلم والكتاب والقراءة.
مما لا شك فيه أن الأمة الضعيفة المهزومة عاجزة من الاستفادة من مقوِّمات قوتها أو الافتخار بمكوناتها لأنها مفعمة بالشك من جدوى هذه المكونات، وقد سكن في مشاعرها أنها لم تصلح لرد الهزيمة ووقوع الخسران، وهاهم غيرهم قد حققوا النصر من غير هذه المكونات بل بمكونات أخرى مناقضة.