الصفحة 28 من 171

هذه معضلة أخرى تتعلق بالصراع مع الغزاة وأذنابهم من المبهورين والمأجورين في داخل الأمة، وهو إعادة الثقة بهذه المكونات، مع تحقيق فعاليتها الحقيقية، وليس ممارسة الخداع الذي يفعله البعض مِن جَعْل التراث غطاءً للواقع القبيح كما يفعل مشايخ السلطان، أو الظن أن مجرد الحرف وانتشار الصراع حول معناه الذهني التَّصوري فقط يحقق العزة المنشودة، وهؤلاء قد بُلينا بهم كثيرًا.

-من هذه العوائق الكبرى أمام القراءة -وهاهنا كما في النكتة الأولى تتعلق بالتراث- هو رفع الغطاء العلمي عن هذا التراث، فالتراث ليس علمًا، بل فاقد لشروط العلمية، وهذه الكوّة الفاجرة وإن فتحها المستشرقون؛ إلا أنها وُسِّعت وخُدمت من قبل أطراف أخرى أكثر فجورًا من حقد المستشرقين، وجاء قوم آخرون بجهل مسالك العلم ومقاصد المؤلفين ليكرسوها في نفوس المتدينين في بعض جوانبها كما سيأتي شرح ذلك.

فالقرآن الكريم متهم في تاريخيته وسنده، وليس هو بأكثر علمية من كتب الديانات الأخرى، وهذه تهمة المستشرقين المكسورة هي عند بعض الطوائف الضالة المنتسبة للإسلام عقائد تُلقى وتُعلم، وهذه التهمة -بفضل الله تعالى- مكسورة الجناحين ميتة القلب لا وجود لها في مجموع الأمة.

أما الحديث النبوي فهو الذي شُنَّت عليه أقذر الحروب، ورُمي بأشد الاتهامات، وبذل عليه أعداؤه جهودًا عجيبة لإسقاط علميته، فلمجرد وجود الموضوع والضعيف والمتهم في الحديث؛ يكون الحديث النبوي فاقدًا لأصول العلمية التي تقرر أن العلم هو الحقائق لا الأكاذيب، ولو طُبقت هذه القاعدة على ما هو من علوم المادة والحس؛ لما كان هناك في الدنيا علم يوثق به ويُطلَق عليه لقب العلم، فما من علم إلا وفيه الدخن والافتراضات والشكوك، يميز بينها أهله القائمون بحقه، ولا يمنع ذلك من قراءته والنظر فيه والاستفادة منه من بقية الناس والقراء.

والحديث النبوي كذلك فيه الصحيح الثابت يقينًا وفيه ما هو أدنى درجةً عن ذلك إلى أن يصل إلى ما هو ثابت الكذب في نسبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكل ذلك من خلال طرق علمية صارمة معقولة عند أصحاب النظر والفهم، وهذا العلم فيه علوم أخرى رائعة جميلة كالتاريخ والرجال والأسانيد والتفسير وغيرها من العلوم التي تمد الذهن بالعلم والمعرفة المتقنة.

ومن تلك العلوم التي رفع عنها خصومها العلمية علوم التاريخ بأنواعها كالسيرة مثلًا، والاتهامات الموجهة إلى هذا العلم هي الموجهة للحديث النبوي؛ إذ القواعد الأولى مشتركة بين العلمين، وعلم التاريخ علم رائع جميل له فوائده الكثيرة كما قال عنه ابن خلدون:"فن التاريخ من الفنون التي يتداولها الأمم والأجيال، وتُشد إليه الركائب والرِّحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال -العظماء-، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد عن أخبار ... وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعد في علومها وخليق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت