فهرس الكتاب
فهو علم المتعة والنظر، والفهم والخير، يصلح لكل الناس على اختلاف مراتب البشر.
ولعلنا لا ننسى مِحنة الشعر الجاهلي الذي قام بِكِبَرها طه حسين حين أصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) ، فإنها لم تكن فتنة علمية فقط؛ لكنها ألقت بظلالها على نفوس الأمة، فما لها ولمعاناة شيء مكذوب مُنتَحل مُزوَّر، لا يفيد شيئًا سوى الإبانة عن نفس قائله من غير دلالة ومعرفة عن هذا القائل بعينه!!
إسقاط العلمية عن هذا الكم الهائل من الكتب صرف الناس عنها، فلا متعة إذًا ولا جدوى من طريق آخر، فمن رام العلمية؛ فإلى غيرها وجهته، ومن رام المتعة؛ فسبل الحياة الأخرى هي المقصد، وقد شارك في إسقاط العلمية كذلك أنصاف المتعلمين ممن لا يحترمون ولا يعرفون مقاصد المؤلفين ولا مراتب العلم ولا طريق ثبوت العلوم المختلفة، وهذا أشرحه في"مقاصد المؤلفين"، ولكن أشير إلى ما له ارتباط بالموضوع هنا.
فقد رأينا من يُسقط العلمية عن علم التجويد بحجة عدم الدليل عليه، والدليل عنده لهذا العلم هو الحديث الشريف، فَحيث لا يوجد في الحديث النبوي هذا العلم إذًا فهو غير شرعي، وهذا هو منتهى الجهل؛ لأن هذا العلم ليس دليله الحديث النّبوي، فهل يقال يا قوم: أين رواية القرآن الكريم وألفاظ القراءات في الحديث النبوي؟ بل هل يقال: أين في الحديث النبوي كيفية نطق الحروف؟! وهل الخلاف في نطق الضاد -وهو موضوع رائع جميل- يمكن الفصل فيه من الحديث النبوي الشريف؟!
إنه الجهل بطرق إثبات العلم، وذلك كمن لم يُفرِّق بين التواتر الذي وُصِفت به رواية القرآن وبين التواتر الذي يوصف به بعض الحديث النبوي الشريف وطريق روايته.
فإسقاط العلمية عن علم التجويد يصرف الناس عنه ويبعد اهتمامهم إلى غيره، مع أنه علم جليل عظيم القدر واجب على الأعيان، وكذا ما له علاقة بالتجويد وهو اللحن العربي الذي يُقرأ به القرآن، فإن التغني بالقرآن أمر رباني بنص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والغناء العربي له لحنه الخاص به والذي ضاع أكثره هذه الأيام، بل ربما بعض الجهلة يتَّهم من يقول به بالانحراف وإلحاقه بالعاصين من أصحاب الغناء المذموم.
وكذا ما نراه اليوم من"تحقيق!!"مزعوم لكتب التراث، ووضع تعليقات جاهلة على هذه الكتب، كمن يأتي إلى كتاب لغة يستشهد فيه صاحبه بحديث نبوي يدلل على صحة لفظ وعربيته، فيُعلِّق عليه مدّعٍ أنه حديث ضعيف ويذهب لتخريجه على طريقة انتشر أمرها هذه الأيام، وقد يزيد ضِغثًا على إبَّالة -كما يقول الأقدمون- فيرسل قلمه طعنًا في رواية الضعيف محذرًا منه مقيمًا النكير على صاحب الكتاب أنه لم ينبه على ذلك، إلى غير ذلك من التبجُّح القبيح المَقيت من هؤلاء الصغار على الأئمة الكبار، وهذا لأنه لا يدري هذا المتعالم أن الحديث الضعيف والاستشهاد به في اللغة