الصفحة 30 من 171

أولى من غيره، وهو حجة في هذا الباب عند المحققين منهم، وهو أقوى حجة من بيت شعر لا يُعرف قائله، هذا مع علمي بوجود قول بعضهم بعدم جواز الاستشهاد بالحديث جملة في اللغة وعلومها وهو قول ساقط مرذول لا قيمة له، ولولا الإطالة التي تخرجني عن الموضوع لبينت أن هذا القول لم يقل به من يُعتَدّ به في هذا الباب مهما انتشر اسمه وعلا صيته، لكن هذا الصنيع من هؤلاء"المحققين!!"الجهلة -وقد مررت بهذه الفترة حينًا- يصرِف الناس عن هذه الكتب، لأنه يُفقدهم احترامها وعلميتها.

وكذلك ما يصنعه هؤلاء"الأنصاف"من تحقيقهم لكتب السيرة النبوية على طريقة الحديث، وبعضهم يؤلف في ذلك مختصرات باسم (صحيح السيرة) وذلك لجهله بمقاصد هذا العلم وأنه أوسع من مقاصد الحديث، وقد يقول قائل: أليست السيرة من الحديث؟! إذ السيرة هي وصف لأقوال وأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الحديث أو بعضه؟!

فيقال: السيرة النبوية علم من علوم الرواية، لها مقاصدها التي تتسع أكثر من كونها دليلًا للفقه، وهذه المقاصد تسمح باتساع زائد عما هو عليه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا أفرد لها العلماء كتبًا خاصة، وتواطؤوا على التسمح بروايتها أكثر من الحديث النبوي وروايته والتصنيف فيه، وهذا عند المتقدمين الكبار كعصر مالك بن أنس وما قبله، فتشدُّد هؤلاء الصغار اليوم ليس من العلم في شيء بل هو الجهل الذي يجعل الناس يُعرضون عن هذه السيرة الجميلة الرائعة.

وأوسع من السيرة في التسمح هو التاريخ؛ فإن إعمال قواعد رواية الحديث على أخبار التاريخ جملةً غير صحيح، وهو خلاف العلم، فإن رجالًا لا يُقبلون في الحديث كالواقدي مثلًا هم العمدة في التاريخ لا يقدح فيهم في هذا الباب أحد، وردّ أخبارهم التاريخية كردّ روايتهم للحديث جهل بأصول العلوم وطرق إثباتها ومقاصد العلوم واختلافها، فالكلبي متهم في الحديث لكنه العمدة الذي اعتمد عليه الجميع في الأنساب، كلهم أخذوا عنه من أبي عبيد القاسم بن سلام إلى ابن حزم لم يتجنّبه أحد في هذا الباب.

وحتى أُقرِّب لهؤلاء"الأنصاف!!"بما يفهمون فيقال لهم: هذا عاصم بن أبي النجود -بن بهدلة- فيه مَقَال في رواية الحديث وضبطه لكنه الذي لا يقال فيه أدنى حرف في كونه أحد القُرَّاء السبعة المشهورين، فهل عقلتم الموضوع وأدركتم الفرق؟!

لا أقول إن مقاصد المستشرقين الخبيثة هي عين مقاصد هؤلاء"الأنصاف"، فليس مَنْ رامَ الباطل فأصابه كمن أراد الحق فأخطأه، لكن كلاهما عمَّق الفجوة بين الأمة وتراثها، وجعلها تُعرِض عن قراءته والانتفاع منه والتمتع به، وكما قلت: سيأتي مزيد بيان في فصل"مقاصد المؤلفين"لهذا الموضوع إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت