فهرس الكتاب
وإنه من غرائب أهل الخبث مع هذا التراث أنك تجدهم يطعنون في المصادر الموثوقة من كتب الحديث والسيرة والتاريخ والرجال، ومع ذلك يستخرجون ما يحبون من قيح نفوسهم مما في (ألف ليلة وليلة) ، وكأن واضعها لم يرد بها متعة القصِّ الخيالي فقط، وإنما تسجيل التاريخ وأحداثه ووقائعه.
وهكذا يلغون ما هو حقيقي وعلمي ليثبتوا الخيالات وقصص الوهم.
وأنا لم أعلق على كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني؛ لأني اعتبره كتابًا علميًا، فيه ما فيه من الخلط والغلط، لكن إن وضعناه في سياقه الصحيح أو مقصد مؤلفه؛ لصلح لها ولا شك.
بل إن (ألف ليلة وليلة) إن وضعناه في سياقه الصحيح أو مراد مؤلفه؛ لمَا كان في ذلك انحراف قط في قراءته -كما سيأتي-.
القراءة في كل الكتب أوسع من العلميّة، لكنّ علميّة المقروء أساس القراءة، وفقدانها يبعث في النفس الكراهة والإعراض؛ فإن المرء يريد المتعة ولا شك لكنه يريد أن يعرف ويعلم ويرتقي بفكره وعقله، والعلميّة أساس ذلك، فرفع غطاء العلميّة عن كتاب ما أو موضوع ما هو السبيل الأول للهجران والهروب.
هناك كتب للمتعة فقط وتختفي وراء ستارها بعض المعالم الفكرية مثل كتب الروايات والقصص، بل ربّما يُخفي الكاتب أهدافه ورُؤاه وراء الحكاية؛ وهو فن قديم حديث من التخفي الذكي، فكل هذا يجعل العلمية غير بعيدة عن أي كتابة مهما بدا للبعض خلوّها منه.
الشعر مرآة الحياة بخصوصها للشاعر، وعمومها للمحيط الإنساني والثقافي والاجتماعي والسياسي، ومع ذلك اتُّهم الشعر من قبل البعض أنه لا يحمل سوى دلالة لحظة انفعال عابرة لا يمكن تعميمها أو قَنْص الفوائد منها، مع أن قائل هذا القول هو عين الذي أراد تعميم حكايات لسُمّار وفجّار وثوّار على عموم تاريخنا الإسلامي كله، فليس في تاريخ الفتوحات الأولى إلا فتنة علي مع معاوية -رضي الله عنهما-، وتاريخنا كله مرتبط بثورة الزنج والقرامطة والحشاشين، وهكذا يكون التاريخ مجرد استحضار لجلد الثقافة وأصولها التي شكلته ورَعَته وبنت عمره وقواعده.
إن كل ما كُتب في تاريخنا نحن بحاجة إليه، وكل حرف مهما بدا شذوذه عند البعض له ضرورته في الإحياء، ولذلك أنا ضد الدعوة إلى"تطهير"بعض الكتب كما دعا لذلك بعض الأمناء على التراث عند طباعة كتاب (الأغاني) بحجة وجود أخْبار مكذوبة أو أنها داعية للفجور والانحلال، فهذه دعوة لم يقلها الأوائل الأطهار، وقدح كتاب وذمه لا يعني عند الأوائل حرقه أو إهلاكه أو تطهيره، بل هو من أجل تحقيق علميته على الوجه المطلوب عند قارئيه، وهذا يمكن فعله من خلال مقدمات يضعها العلماء لهذه الكتب تبيّن مقاصد مؤلفيها أو طرق الحكم عليها، وإنّه مما يحمل الفخر لتاريخ أمتنا أنني لم أقرأ قط لعالم من العلماء يُحرِّم قراءة كتاب أو يدعو لحرقه أو تطهيره، نعم