الصفحة 32 من 171

يوجد التحذير وإطلاق الأحكام القاسية على الكثير من الكتب، لكن هذا شيء وحرقها شيء آخر، وعدم التفريق بينهما مزلة خطرة.

إن القراءة لا تعرف الحدود، شأنها شأن كل ما سخره الله لنا في الكون، لكن من تزوج الأفعى فهذا خطؤه في عدم وضع الشيء موضعه.

-يتبع هذا العائق عائق له علاقة به، وهو: منع البعض من قراءة بعض الكتب أو الموضوعات تحت حجة عدم جدواها أو تحت حجة فسادها، وهذا عائق يكثر بين المتدينين هذا اليوم.

وقبل أن أشرح هذا العائق أُطمئن هذا البعض إلى إيماني بقضيتين:

1 -أن لكل علم مراتبه، ولا بد لكل قارئ علم أن يبدأ بقواعده وأصوله، وأن يشرع في المهمات الأولى له، لأن هذا ما يحقق الفائدة الأعظم من القراءة -وستُشرح هذه النكتة في"أصول القراءة"إن شاء الله تعالى-.

2 -أن العلوم والكتب تختلف مراتبها في الأهمية، فصرف المرء وقته في الأولى مُقدَّم عما هو أقل أهمية، وهذه قضية فطرية لا يخطئها أحد من جهة العلم بها، وإن أخطأها الكثير عملًا وسلوكًا، وقد يخطئ البعض في تقدير المهم فيؤخره ظانًا أن غيره أولى منه، وقد يتأثر الإنسان في أجواء معينة تجعله مهتمًا بباب من أبواب العلوم والمعرفة، أو برغبات ذاتية عنده، أو بباب من أبواب الرزق التي يتكسَّب منها إن كان رزقه منها، ولكن هذا لا يمنع أبدًا من أن يفتح الباب كاملًا كقاعدةٍ أولى لكل القراءات، إذ لا تخلو قراءة أبدًا من علم يُعينه في تعبُّده، أو متعة هي من ضرورات الحياة الفطرية التي لا يستغني الناس عنها.

ما هو عائق هو إغلاق الباب أمام القراءة أو بعضها، وهذا غير سديد وغير علمي، فالمطلوب هو فتح الأبواب كلها، وإذا كانت كل كلمة قيلت في التراث نحن بحاجة إليها لعملية الإحياء أو لحاجة من الحاجات؛ فإن كل كتاب في العالم لا يخلو من منفعة يحتاجها آحاد من الناس أو مجموعهم، فلا يوجد كتاب يمثل عورة يجب سترها أو التخفي من قراءتها، وما زلت أذكر هذه الحادثة قبل خمس وعشرين سنة وأنا في الثامنة عشر من عمري وقد حملت قصص الدكتور نجيب الكيلاني -رحمه الله- الرائعة، فجلس بجانبي أخ في الله فبذلت وسعي لستر القصص مخافة أن يراها الأخ فتكون التهمة أني أقرأ القصص والروايات، وقد احتجت لوقت طويل في رحلة المعرفة والقراءة والتفكير لأكتشف أن القص والحكاية هي فن كتابي علمي يستخدمه المرء لأسباب علمية وفكرية وهو أسلوب ذكي لإثارة الفكر ونشره تحت ستار المتعة، وقد شكرت للدكتور نجيب بعد ذلك أنه فتح لي من خلال بعض قصصه قضايا العالم الإسلامي ومشاكله ومعاناته من تركستان إلى الحبشة، وأما قصته (دم لفطير صهيوني) فهي العمل الرائع الذكي الذي كشف حقيقة تلمودية خفية، وممارسة يهودية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت