الصفحة 41 من 171

كم قرأت من مرات لأمثال هؤلاء أنهم جلسوا في معارض الكتاب هنا وهناك وراء كتبهم يروِّجون لها فلم يلتفت لهم أحد، وفي الختام -لبقايا حياء أو مصانعة- قاموا واشتروا من بعضهم البعض، موقِّعين على كتبهم لبعضهم، ثم يلتفتون وإذا بقايا القُرَّاء في هذه الأمة همهم: (زاد المعاد) لابن القيم، (وطوق الحمامة) لابن حزم، (وديوان المتنبي) ، (وفي ظلال القرآن) لسيد قطب، و (رحلتي الطويلة من أجل الحرية) لنلسون مانديلا؛ لأنهم يجدون إنسانيتهم وغرائزهم فيها.

العلم والثقافة والمعرفة لِتكون مشَاعًا مرغوبةً؛ لا بد أن تكون إنسانيةً تحقق التواصل مع الإنسان، وذلك أن يجد نفسه فيها، لا أن تقدم له ما يعرف كما يزعم البعض، ولكن أن تقدم له الإنسان.

ما الذي يجعل كتابًا مثل (رأيت رام الله) لمريد البرغوثي مطلوبًا، تتعدد طباعته؟

الجواب: لأنه كتاب إنساني، فيه الإنسان الحقيقي الذي نعرفه، فيه الإنسان السوي الذي نحبه ونكرهه، فيه أنا وأنت، يُضحكك ويُبكيك، ومع رحلة القراءة معه تحس أنك رافقت إنسانًا.

إن هذا الجنون المنفلت من عِقاله والذي وصلت هذيانات قائليه إلى أن اللغة ليست للتواصل، والنص ليس للفهم، والعبارة ليست للإبانة، لا يبني ثورة قراءة بل يهدم البقية الباقية من رغبة القراءة المتحشرجة.

جريمة تستحق التهمة حين تدمر أجمل غرائز الإنسان؛ غريزة البيان، كما قال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} .

وهذا عائق يثير غيظي أكثر مما يثير عقلانيتي، فأمسك القلم مجبرًا إياه على الوقوف، معللًا النَّفْس أنهم هم من صنع السم وهم من سيحتسيه، ولولا بقية نفط وعمالة ومؤسسات خبيثة لحصل مجلس العزاء تامًا.

هؤلاء يسحبون بساط الجهل نحو مساحات جديدة فيها الخداع أن ما تحته ثقافة ومعرفة، وهذه جناية أخرى لا علاج منها، كما وصفها الخليل بن أحمد:"جاهل ولا يدري أنه جاهل، وعلاجه بكلمة واحدة: عظّم الله أجركم".

-هناك عوائق أخرى تتعلق بالوضع الاقتصادي والقدرة الشرائية في مجتمعاتنا، ولكنْ هذه عندي أمور خادعة؛ فإن الإدارة السياسية لو كانت أمينة حقًا على عقول الأمة لتلاشى هذا العائق واكتشفنا وهميته، وكذا لو كانت الأمة تحب الكتاب لرأيناها تقدمه على بعض الكماليات الزائفة والتي ينتشر فيها التنافس والتباهي، فإن أمة يدخل المستقبِل للفضائيات إلى بيوت يعيش أهلها بين المقابر لِحرصها عليه لمدعوَّة إلى إدخال الكتاب في حياتها، ولكنه الزهد القبيح الجاهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت