يقولها بائع أسطوانات الغاز في بلادنا مائة مرة في اليوم، لكنها هنا تشير إلى أنه الرجل مثقف عالمي، يتابع الفكر المنتج هناك.
مأساة طردت البقية الباقية من مُحبِّي الثقافة والعلم والمعرفة، وبعض الشعراء لفقرهم -الذي يعادل فقر الكنائس في أوروبا- أحضروا معهم في ندواتهم الشعرية عازف موسيقى لعلّ الناس يأتون إليه كما يذهبون إلى حفلة رقص مهووس.
لم يحققوا تواصلًا بين الإنسان العربي وتاريخه وتراثه، بل أعملوا هدمًا بكل ما له صلة به، ولم يبسطوا طريقًا يبين هذا الإنسان وقضاياه وإنسانيته، بل غابوا مع ذواتهم المريضة المضطربة مترفِّعين عن هذا الإنسان، فجَنَوا نتيجة ذلك إعراضًا وذمًا وتحقيرًا، وهم أهل ذلك كله.
سبوا التراث ولعنوه بكل شتيمة، وأشاعوا أنه ما وُضع إلا لأحذية السلاطين، مع أنهم كانوها بكل جدارة.
عرَّوا التراث من العلمية، فلا يوجد فيه مسرح إذًا هو لا شيء.
يا للهول تراث ولا مسرح فيه، هذا شيء مقرف ومخجل!!
التراث الديني معوق، نص جامد، الروح الإنسانية مفقودة منه، والكتابةُ-أيُّ كتابةٍ- عن غير الإنسان ليست أدبًا ولا تستحق النظر.
هكذا شطبوا أطنان الروائع العميقة الجميلة، الكاشفة عن أجمل ما في الإنسان من غرائز [1] .
وإن مدحوا شيئًا من التراث فإنما هو مدح الآخرين له، وإن درسوا شيئًا منه فلاعتناء الآخرين به.
صدَّعوا رؤوس الناس بثلاثة أو أربعة لا يعرفون غيرهم من تاريخنا مع أنهم في الحقيقة يشوِّهونهم ويُلبسونهم ثيابًا غريبة عنهم، فأبو الوليد بن رُشد على كل لسان منهم، ولو سألت أحدهم كم قرأت له من كتب؟ لحرن كالحمار وهرش ذهنه، وربما قال لك: (فصل المقال) ، ثم لا غير، وإن زاد قال: (تهافت التهافت) . وإن سألت عن سيرته وحياته لكان الجواب مأخوذًا من فيلم ساقط صنع من ابنة العلم الجليل راقصة غواية وفسوق، ثم نهقوا وقالوا: شكرًا للغرب الذي عرفنا بتاريخنا وكشف رجالنا!
رحم الله الشيخ شاكر حين استعار من (رسالة الغفران) للمعري قولةً تلائم هؤلاء:"أف وتف ثم جورب وخف"، قيل له: ما أف وتف؟ قال:"واديان في جهنم".
ثمَّ يأتون ويشكون أن كتبهم كاسدة، لا أقصد أنه يمكن بيع مائة نسخة من كتبهم، بل والله لا يُباع منها كتاب على وجه الطلب الحقيقي.
(1) للذكر فقط: الغرائز ليست هي الشهوات كما يقصد معناها البعض اليوم فالتدين غريزة والعقل غريزة ...