كان مما ذكر من رصد عميق بين الحاكم واهتماماته وبين الشعب والرعية أنَّ سليمان بن عبد الملك كان له اهتمام زائد بالبناء والإنشاء، فكان الناس في عصره أشد اهتماماتهم بالبناء والتشييد وتزيين العمائر والمساكن، ثم كان عمر بن عبد العزيز والذي كان اهتمامه بالعلم والعبادة، إذ في بعض الروايات أنه أول من أمر بتدوين -نقول تدوين لا كتابة وهناك فرق بينهما- الحديث النبوي، فلم يكن للناس من همٍّ أعظم من همّ مذاكرة العلم وحفظه والعبادة، فماذا نقول عن أمة فيها مثل هؤلاء النوكى، والذين لا هم لهم سوى سجن الإنسان وقتل عقله وذكائه؟!
لاعب كرة القدم برجله أرفع وأعظم وأغنى وأشهر من كل حملة الأقلام في مجتمعاتنا.
الراقصة برجلها كذلك.
العلم والمعرفة ومحبة الكتاب صناعة وبنية ومحيط وروح تُرعى وتُقوّم ويُعتنى بها، فلو تُركت لوحدها لماتت أمام شهوات النفس الأخرى وحرب الشيطان عليها؛ فكيف لو حوربت من قبل السيف والمال والسلطان؟!
كيف لو وُجد حاكم يقول:"ليتنا لم نُعلِّم هذا الشعب الجاهل، فمنذ أن بدأ يقرأ ويكتب فتح عينيه وبدأ ينافسنا ويُتعبنا"؟!
المعركة ضد الكتاب والقراءة قائمة سوقها ولم تنته بعد، لكننا الآن نجزم أن الكتاب ما زال خاسرًا ضعيفًا، ويتخبط تخبطًا يجمع بين ثورة الرفض والهذيان.
-كان آخر ما تشكل من عوائق تمنع القراءة وانتشارها وإحياءها هو هذه الكتابة الجديدة التي أرادت القفز عاليًا فدُقَّ عنقها، كتابة أول ما جَنَتْ جنت على نفسها فقطعت الصلة بينها وبين القارئ، كتابة الحَداثيين وأمثالهم ممن يشكون ليل نهار أن كتبهم لا تُقرأ، وهم يهرفون بعصاب وهذيانات، يحاولون بجهلهم التقليد واللحوق بالحداثة وما بعد الحداثة.
إن الرحلة الإنسانية بنائية تُعدِّل ولا تهدم، توصل ولا تلغي، لكن هؤلاء نسفوا كل القديم، وسفَّهوا كل التراث، وليتهم أبدعوا بدائل حقيقية بل ذهبوا يتخاتلون تقليدًا مقيتًا خارج بناء الأمة ومشارعها وذوقها وإحساسها وآلامها وآمالها، فما عادوا إلا بهذيانات الحشاشين ورقص المجانين، وَهَمُّ الواحد منهم أن تتبناه مؤسسة"لقطاء الفكر"-فرنسية أو أمريكية- ليشتم أمته ويلعن كل من فيها، ويكتب عن رحلة اللواط مع الحمير التي عاشها- إي والله- أو يكتب سبًّا لأبيه وأمه، وشهوته أن ييسر الله له شيخًا مُعمَّمًا يُحرِّم النظر في كتبه، أو فتوى تطلِّق منه زوجته ليصبح ضحية الظلاميين، وشهيد الكلمة، وهو لا يزيد أن يكون حمار مخلاة، يخطئ في أبجديات اللغة ونحوها وكتابتها ورسمها، ومع ذلك فهو مثقف خطير عند نفسه"العظيمة"وعند أمثاله الجهلة، وبمقدار خبثه وتملقه يكتب عند النقاد كتابة لو سُئل كاتبها عنها وما معناها لم يجد جوابًا، لكن يكفيه فقط أنه افتتح مقاله أو كتابه بكلمة لكاتب أجنبي، حتى لو كانت هذه الكلمة