الصفحة 38 من 171

بعض القروش التي يحملها ثمنًا للرواية التي ذاق معها متعة رائعة يحن إليها إلى اليوم ويحاول قراءة الرواية مرات متعددة ليتذكر تلك المتعة العجيبة!

إنه التشكيل الأول الذي نحتاجه مع أول قدم لنا في المدرسة لنأتلف معها ومع الكتاب، لكن الواقع غير ذلك، فلا أعلم في أيامي بغضًا في قلب الطلاب يعادل بغض المدرسة والكتاب المدرسي، وما ذلك إلا لأساليب التعليم وحال المعلمين، وقد قرأت تجربة الشيخ محمود شاكر مع اللحظات الأولى مع المدرسة التي رمت في قلبه كراهية الكتاب والمدرسة، وهذا يدل على أن الحال واحد والتجربة تتكرر، ومما لا شك فيه أن الحال اليوم أسوأ وأشد مأساوية؛ إذ كَسَدت سوق المعرفة والعلم، وطارت هموم الشباب إلى متع حياتية تأكل الكتاب وقيمته، فالأحلام مسروقة إلى أمراض عصابية وخمول ذهني، ورغبة جامحة نحو السفاهات، مع ضياع القيم التي يجب فرضها في المدرسة واحترامها، وجو يكرس في كل لحظة أن الحياة وقيمتها طريقها لا تمت إلى العلم والمعرفة بأدنى صلة، بل ها هي الحياة بين أيدي جهلة لم يتقنوا شيئًا سوى الكذب والخداع والثعلبة من رئيس الدولة والذي لا يكاد بعضهم يفك الخط -كما يقولون- ومع ذلك فهو راعي الثقافة وأبو العلم وباقر الحكمة وأس المعارف، إلى الثري الوجيه والذي عُرف في كل أدوار دراسته بالبلادة وثِقل الذهن، ومن سلك سبيل العلم والمعرفة فهو حذاء عند هؤلاء يمتطونه لحاجاتهم، وسيف يُستأجر لمدحهم وذبِّ الخصوم عنهم، لا فرق بين شاعر القصر ومفتي الديار، ولا بين دكتور الجامعة وصحفي ساقط، فما للشاب وهذه الطريق؟! إذ لا يجد التشجيع لها ولا هي موجودة أمامه لتكون إحدى خياراته.

تقول طرفة أن رجلًا أراد أن يشتري جارية فسألها:"بيدك صنعة؟"فقالت:"بل برجلي"، وقد صدقت فقد كانت راقصة، وما زلت أذكر مقال الشيخ محمد إبراهيم شقرة في جريدة الدستور الأردنية تحت عنوان:"آه يا دكتور منصور لو كنت راقصًا!!"، فهذا الدكتور منصور أستاذ جامعي سَجَّل باسمه بعض النظريات العلمية وله اهتمام أدبي، بل وله كتاب ضد طائفة الأحباش بعنوان (الرحمن على العرش استوى، بين الحنابلة والتنابلة) -أرجو أن لا أكون مخطئًا في العنوان فقد قل اهتمامي كثيرًا بعناوين الكتب، مع أن متعتي الأولى كانت حفظ أسماء الكتب وأسماء مؤلفيها، لكنها الرحلة وندوبها-، وقد قرأت أنه سجل أخيرًا اكتشاف دواء عشبي لمرض السكري.

أراد الشيخ شقرة أن يقول: من يسمع بك يا دكتور؟ فلو كنت راقصة لتسامعت بك ركبان الصحراء، لكن من يسمع بك وأنت مهنتك الحرف والعلم والحكمة؟!

إنها ليست جريمة الناس بل جريمة الإدارة السياسية في بلادنا فهم الذين يُحطِّمون قيمة المعرفة كل يوم ويسقطون قيمة أهلها.

ألم يقل أحد وزراء هذه الإدارات المجرمة عن المثقفين:"سأُدخلهم الحظيرة". وقد نجح هذا المجرم -وللأسف-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت