الصفحة 37 من 171

وقف الأستاذ راميًا ببصره الحنون، باسمًا بسمة الحب الأبوي، وفتح باب الفَصل وغاب دقائق ثم عاد وإذا معه مدير المدرسة مع مجموعة من المعلمين يدخلون الصف ويطلب من الطالب إعادة البيت، وهكذا فعل الطالب، وهكذا بدأت رحلة الكتاب الأولى مع (ديوان حافظ) لطالب غر صغير يحاول صعود حائط طويل أملس لوحده.

وكان الكتاب التالي مع"الشوقيات"حين حدَّث المعلم طلابه عن الصداقة الحميمة بين شوقي وحافظ، وروى لهم حادثة بينهما، لم يطَّلع عليها الطالب إلى اليوم في كتاب، لكنه ما زال يحفظها من فم ذلك المعلم العملاق ومن المرة الأولى، وقد كان ذلك الطالب يومها لشدة انتباهه لهذا المعلم يكاد يحفظ منه مقطوعات تصل إلى عشرة أبيات، تقول الحادثة حسب روايته:

أن شوقي لِغِناه كان دائمًا هو الذي يقدِّم القهوة والشاي على حسابه إن جلس مع حافظ إبراهيم على المقهى، فأراد شوقي يومًا أن يناكف حافظ، فبعد أن شربا مرادهما حضر النادل فغطى شوقي وجهه بجريدة في يده محرجًا بذلك حافظ، فقال حافظ:

يقولون إن الشَّوق تُحرق ناره ... فما بالُ شوقي اليومَ أصبح باردًا

فرد عليه شوقي:

أَوْدَعتُ إنسانًا كلبًا وديعةً ... فأنكرها الإنسانُ والكلبُ حافظُ

فيذهب الطالب مرة أخرى باحثًا عن شعر شوقي، فيعرف من معلم هو المسؤول عن تلك الخزانة الصغيرة أنًّ له ديوانًا يسمى (الشوقيات) ، فيأخذه مجلدًا مجلدًا وهناك يكتشف خطأ المعلم حين قال إن حافظ رثى شوقي في قصيدة مطلعها:

قَدْ كُنتُ أُؤثِرُ أَنْ تقول رثائي ... يا مُنصِفَ الموتى من الأحياءِ

فإذا هو لشوقي.

ويماشي الطالب معلمه بعد أيام يترصَّده لوحده آتيًا من بيته إلى المدرسة إذ هو قريب منها، فيُخبره الخبر ولمن البيت، فيبِشُّ له المعلم ويُربِّت على كتفه، وهكذا انطلق الطالب نحو خزانة الكتب في المدرسة متعرّفًا عليها قارئًا (قصة مدينتين) لديكنز، وكتب مصطفى محمود التي راقت له وخرج بها أشد الفرح إلى أن أنهى المكتبة -الخزانة اليتيمة- كلها، وبدأ البحث عن غيرها إلى أن قادته رِجلاه يومًا إلى رجل أَشْيَب مقطوع أحد القدمين، لحيته كثَّة، ينشر كتبًا تحت واجهة حائط مُهدَّم يقابل بناية أمانة العاصمة عمان، فيقف أمام الكتب متمنيًا التهامها، لا يملك في جيبه مالًا، يقوّي نفسه ليتقدّم للمساومة، وفي لحظة شجاعة نادرة مدّ يده إلى رواية (الشيخ والبحر) لهمنغواي، وقلَّبها ثم بصوت خائف مرتجف سأله عن ثمنها ولا يدري ماذا حدث معه بعد زلك سوى أن قبل الرجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت