الصفحة 36 من 171

ليبيعها هناك طالبًا الربح والمنفعة، وكان المنظر مؤلِمًا محزنًا مُسقطًا هيبة المعلم أمام تلاميذه، شاغلًا إياه من أن يقوم بدوره في التعليم والتوجيه.

هل هذا المعلم نموذج للطالب الذي يتمثله ويسعى لتقليده في جده وقراءته وعلمه؟! والعجيب أن الحكومة بدل أن تحل مشكلة هذا المعلم البائس أصدرت قانونًا يمنع حصول الموظف -ومنه المعلم- على رخصة سواقة عمومية، لكن المعلم لم يكُفَّ عن التحايل.

هذا هو حال المعلم أمام تلاميذه نموذجًا يثير الشفقة حينًا وعدم الاحترام حينًا، وفي كل حين ليس نموذجًا للعالم والقارئ والمدرِّس.

إن مرحلة التعليم الأولى للطالب هي التي تغرس فيه القيم الأولى، وتنمي فيه الغرائز النافعة ومنها حب القراءة والحرف، والنهم في الطلب من العلم والمعرفة، وإذا كان كاتب هذه الكلمات يشعر أن أهم رافد نمَّى لديه حب الحرف والكتاب واللغة فهو ذلك الأستاذ الذي وقف أمامه في الصف الرابع الابتدائي، طويلًا، عريض الجسم، درسه متعة جميلة لهذا الطالب الصغير، يلقي أمامه بعض أبيات الشِّعر ويصرخ في التلاميذ مقومًا لهم حرف"القاف"الذي ينطقونه هشًا كما هو شأن القروي الفلسطيني قريبًا من حرف"الكاف"، فيقول بصوت عالٍ:"يا ابني قل قنبلة، -مالئًا فمه بها- .. ولا تقل: كنبلة".

إنه الأستاذ الطيب الأبوي الحاني الرقيق: نايف مسودة.

أستاذ من مدينة الخليل، درس العربية وآدابها في الأزهر، وحصل فيها عدة مرات على بطولة السباحة والمصارعة، ومع هيبته أمام تلاميذه لم أذكره قط يضرب تلميذًا إلا مرات قليلة وبطريقة لم تكن تثير الألم كما يفعل غيره من المعلمين.

سمعت من يومها اسم الشاعر: حافظ إبراهيم، فسعى الطالب إلى المكتبة المسكينة في المدرسة، وهي بناء لبيت سكن استؤجر ليكون مدرسة، مكتبة هي فقط خزانة ملابس أبحث فيها عن ديوان الشاعر فوجدته، وهناك قلَّبته وبدأت بقراءته وفيه وجدت بيتًا له يصف فيه أحدهم وهو ينطق الكاف بقوة فقال:

يُرغي ويُزبِدُ بالقافاتِ تَحسَبُها ... قَصفَ المدافِعِ في أُفْقِ البَساتِينِ

فردَّده الطالب الصغير في نفسه حتى حفظه، وبيَّت فعلًا ما قصده، فالمعلم آتٍ غدًا، ولا بدّ من مشكلة القاف والقنبلة، وما إن فعلها المعلم وقال:"يا ابني قل قنبلة ولا تقل: كنبلة"، حتى رفع الطالب أصبعه مستأذنًا فأذن الأب المعلم له، وقفت وعلا صوتي:

تُرغي وتُزبِدُ بالقافاتِ تَحسَبُها ... قَصفَ المدافِعِ في أُفْقِ البَساتِينِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت