انتشار التدين والبراءة من المشركين والغاصبين ومعاصيهم، وما دروا أن أبغض شيء على قلوب الطلاب هي الكتب المقررة دراسيًا، لا يعرفونها إلا من أجل الامتحان وتجاوزه، وبعد ذلك لو سألت الطالب عنها لرأيت استنكارًا وكراهية، وما ذلك إلا لكراهة الطالب للتعليم وما فيه، وخاصة ما يتعلق بالمواد غير المادية، كالعلوم الدينية والإنسانية، فإن أغلبها ليس أساسي التدريس ومتأخر الاهتمام والعناية.
فجهل طلابنا باللغة وعلومها والشريعة وعلومها أمر مشاهد معلوم، وذلك لجهل المعلمين في باب، وعدم شعور الطالب بأهميتها في باب آخر؛ فالمُقبِلون عليها هم أقل الطلاب تفوقًا وذكاءً، ومن كان متدينًا راغبًا بعلوم الشريعة أو اللغة فتوجهه الدراسي أولًا للمواد العلمية المادية وما يحصله بعد ذلك من أمور أخرى فلها طرق أخرى وسبل بعيدة عن المدارس والمعاهد والجامعات.
ما تنتجه الآلة التعليمية في بلادنا شاذ معوَّق، إذ يرى الطالب أن المعلم هو في أدنى مراتب التحصيل المادي، لا تكفيه وظيفته لحاجاته المعيشية، فهو في داخل الفصل مهموم مشغول البال بعمله بعد المدرسة، وأنا أتحدث لك عما كنت أراه في مدرستي من غرائب أحوال المدرسين البؤساء المساكين:
-لقد درست في المدارس الأردنية، ومع أني بدأت الدراسة الابتدائية والإعدادية في مدارس وكالة الغوث الراعية لشؤون الفلسطينيين المهجَّرين من بلدهم، وقد تميزت هذه المدارس يومها بوجود معلمين يحملون هموم شعبهم، ولهم رغبة شديدة في تعليم الطلاب بدافع الحرص أنهم ينشؤون جيلًا يقاوم الأوضاع القاسية التي يحياها الشعب الفلسطيني، وإني ما زلت أشكر لكثير من هؤلاء الأساتذة حرصهم ورعايتهم الأبوية الحانية؛ إلا أنّنا عشنا مشكلتين اثنتين هما:
1.ضعف تحصيل الكثير من هؤلاء المعلمين؛ لأن أغلبهم خريج لمعاهد متوسطة وذلك لارتفاع الرواتب، فكانت الوكالة تتجنب خريجي الجامعات، وهذا كان يؤثر على التدريس وإتقان إيصال المعرفة اللازمة.
2.قلة الوقت الذي كنّا نحياه في المدرسة؛ فالمدرسة فيها فترتان دراسيتان فلا يوجد أي نشاط تعليمي زائد عن الدراسة، وحتى الحصص الدراسية مضغوطة بطريقة كبيرة.
لم تكن في تلك الأيام مشكلة في الفارق بين المعلم وغيره في الدخل المادي، لكن بدأ تفجُّرها حين انتقلت إلى المرحلة الثانوية، زيادة في ذلك ضعف رواتب المعلمين في المدارس الحكومية، فقد كنت أرى المعلم وهو ينظر إلى ساعته أكثر من نظره إلى الطلاب والكتاب، وما أن يقرع الجرس مؤذنًا بانتهاء الدراسة حتى تجد المعلم قبلك على بوابة المدرسة، وتعجب أين يذهب؟!
لحاجة المعلمين لدخل زائد عن الراتب فقد انتشر بين المدرسين العمل سائقي تاكسي عمومي، وبعضهم اشترى سيارة حمَّلها بضائع يطوف بها على القرى والأرياف لبيع مواد يشتريها بالجملة