الصفحة 34 من 171

الكتاب ليس عدوًا حتى لو كان صاحبه عدوًا، فلك أن تحذر هذا العدو ولكن واجب أنه تعرف ماذا يقول وكيف يفكر وماذا يريد، وفوق ذلك من هو هذا العدو: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} .

إن أي قيد لمنع قراءة ما هو قيد يدعو للجهل، حتى لو كان الكاتب جاهلًا فالجهل نفسه يحتاج المرء لمعرفته والإبحار فيه وتحليله حتى لا يكون هو هذا الجاهل كأَقل منفعة يحصل عليها المرء.

ثمَّ نحن في عالم مفتوح، ونحن نعيش فيه، وهو يتسلل إلينا، وهو كذلك قضيتنا، نعم هذا العالم هو قضيتنا، والإنسان فيه محور وأساس دعوة الهداية والرسالة، فنحن مدعووُّن رغم أنوفنا إليه ومعه من أجل تحقيق هذه الرسالة التي هي أمانة الله في أعناقنا.

وقد دلنا التاريخ وسيرته أن ما حُرِّم يومًا من الكتب والموضوعات لمنع فساد أو منع ضياع وقت أو اكتفاء بالموجود، حدث بعد ذلك أن اضطر الناس لقراءتها والغوص فيها وإدراك مرامي أصحابها ثم بعد ذلك معالجتها، فحركة الكتاب والفكر لا توقفه هذه الطرق؛ بل تنشره وترغِّب فيه.

سلمان رشدي لو دفع مليارات الدولارات للدعاية ما كان ليحصل على شهرةٍ ورواجٍ كما حصل عليها من خلال فتوى الخميني بإباحة دمه.

سيد قطب حطم كل الأسوار المظلمة الساعية للحَجْر على كلماته وأوراقه.

ومئات من المغمورين الجهلة حققوا الشهرة الواسعة والانتشار الكبير من وراء هذه الطريقة التي لم ينتبه المانعون إلى أنها الترياق العجيب للدعاية وليست السم الزُّعاف.

حرم العلماء علم المنطق والنظر في كتبه، فانتهى الأمر إلى أن صار هذا العلم جزءً من أصول الفقه، ولم يتلاشَ هذا العلم إلا بالعلم به ومناقشته وإثبات هشاشته وعدم الحاجة له كما فعل ذلك ابن تيمية معه.

البعض يظن أن الحق هش يحتاج للحماية من جهة علميّة فيهبون صراخًا وعويلًا، والصواب أن البعض ضعيف فيحمى كالمريض عن بعض الأطعمة وهذا شيء شرعي صحيح، فالناس مراتب ودرجات وهناك من هو غافل ساذج جاهل، وهناك من يظن أن كل ما يلمع ذهبًا، فهؤلاء يُعتنى بهم ويُراعى أمرهم بقدر الحاجة اللازمة لحفظهم وحفظ دينهم وعقلهم، ولكن الحق في نفسه مع مجموع الأمة ليس كذلك، والحديث الآن في العموم، وخاصة في هذه المرحلة التي تحول العالم فيها إلى ثورة صغيرة لا تنفع فيها الحجب ولا الحدود.

-هذا العائق له علاقة بطريقة التربية التي تحياها الأمة في مدارسها ومعاهدها وجامعاتها؛ فإن أسلوبها العقيم هو من أقوى الأسباب لدفع الأمة بعيدًا عن القراءة ومصادر المعرفة. ولقد عجبت لهؤلاء الناعقين من أجل تغيير المناهج الدراسية متهمينها أنها سبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت