الصفحة 8 من 171

ولأنه كتب:

وتهل السماء ترسل نورًا ... ما الشموس منها تُميتُ هلالًا

فكتب عن شموس اليوم تحت عنوان: (لمحات جمالية معاصرة) .

ثم آب إلى"القراءة"ليكتب عنها؛ ليفيها بعض حقها وليكشف عنها بعض ستورها، لعلّ أحدهم يعثر بهذا الكتاب فيقع أسر الحب.

ومع هذا الكتاب كانت أسوار السجن تتساقط حقيرة، كما كانت تتساقط وجاري في الزنزانة الحبيب رشيد رمدة يغني وينشد قصائدي فيرحل بي إلى الحب والأمل وعالم المثال:

تعاظمي يا سياط السجن وارتفعي ... واحجبي النور ما قررت بالفزعِ

وأرسلي همومًا على عين مفتَّحة ... تأبى الهجوع من ذكرى ومن وجعِ

فروحي تأبى أن تُقر مغتصبًا ... أو أن تُقاد لطاغوت من الخلعِ

أو أن تُحد بأسوار منمقة ... أو أن تصيخ لوهم جاء بالجزعِ

هم يقدرون على لحم من البدن ... ولا يلجمون مني طيب مستمعِ

تمنى وأسقط نتن ريحهم ... وأطلق الطين أنوارًا من اللمعِ

فسبحان من صير صوت مبسمه ... روحًا ليملأ كأس العشق بالورعِ

وهكذا كان هذا الكتاب، أصرخ فيه صرخات عنترة بامرئ القيس:

لك الويلات إنك مُرجِلِي

ولكن يأبى إلا أن يفضحني، وكنت أعرضه على أخوين حبيبين حرفًا حرفًا هما رشيد رمدة الجزائري وعادل عبد المجيد المصري، لعلهما يمزقانه خوفًا علي من الفضيحة، فأكتشف أن القوم عشاق"الفضيحة"، وأن السجن علمهما حب الحقيقة وهي عارية، وهكذا كان هذا الكتاب أتحدث فيه عن نفسي، وما من كلمة فيه إلا لي، مع أني أعلم أنه لا يوجد لي فيه حرف واحد، إذ كل ما فيه إنما هي صناعة القراءة، كتبت ما قرأت ورأيت وشعرت وأحسست، فهو لي إن كان غُرمًا، وللقراءة وفضلها إن كان غُنمًا، فلا ينبغي لهذه الصناعة الرائعة أن يُنسب لها ما يشينها.

مع الكتابة عرفت جمال القراءة، ومع معاناتها عرفت قيمة الكلمات، وكُشف لي عن خبيئتها.

وفي الختام سألني أحد الإخوان: ماذا تفعل هذه الأيام؟ قلت: أكتب عن"فن القراءة"، فقال لي: لا أعرف أي فن في القراءة، إنما هي فعل واحد، وهو أن أفتح الكتاب وأقرأ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت