فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 82

أنه يصدق فيها قوله تعالى: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ} . كما سيأتي في ذكر دروسها إن شاء الله تعالى.

هذه الغزوة العظيمة تعد نموذجا حيا لما يمر به المسلمون اليوم من محن وشدائد .. الطريق في أوله .. والناصر قليل. والعدو كثير يتربص بالفئة المؤمنة الدوائر .. والنفاق يتسلل لواذا .. وأحد هزيمة بعد أول نصر ببدر في طريق طويل ..

فما أحرانا أن نقف عندها، ونستفيد من دروسها وعبرها، وما أحوج الأمة وهي تمر بهذه المرحلة الحرجة في تاريخها، أن تراجع نفسها، وتستعيد ذاكرتها، وتعي سيرة نبيها - صلى الله عليه وسلم -.

إن مقارنة يسيرة بين حال الأمة في يومها وبين حالها يوم هزمت في معركة أحد وكانت الهزيمة بسبب معصيتها ومخالفتها لرسولها توحي بأن الأمة اليوم لم تكمل أسباب النصر والتمكين التي وردت في كتاب الله تعالى وإنما هي في غافلة عن مسالك وسنن التمكين، يبطرها النصر وتقنطها الهزيمة .. تهتم بالظواهر أكثر من البواطن .. ما دمنا بمعزل عن الحقائق وفي صمم عن استماع النصائح فنحن بعداء عن الحق .. فقد الإحساس أصبح من أكبر مميزاتنا إلا تلك الآلام التي تحدث عند مرور الحوادث حتى إذا مرت لم نجد في أنفسنا أثرا ولا عينا .. ومن كتم داءه قتله.

ولا نشك أن ظروف الجهاد والمجاهدين في هذه المرحلة تستوجب تفكرًا وتأملًا دقيقا، ونظرًا متجردًا من غير تهويلٍ ولا تهوين .. ما الحق إلا أن نزن الأشياء بموازينها فلا ندع المجال للوهم ينقض ويبرم ويبرز لنا السفاسف في صورة الجبال ويظهر لنا الجلائل بمظهر التافه الحقير، فهذا نوع غريب من أمراض النفوس ما فشا في أمة إلا وكان عاقبة أمرها خسرا.

عسى أن نقف على الداء والدواء لنتجاوز العقبةٍ ونواصل المسير من غير كلل ولا ملل ولا ضعفٍ أو تهاون، فالعاقل من تدبر واستخلص العبر من تداول الأيام وتنوع الأحداث ..

هذه لمحة موجزة عن أهمية دراسة أيام النبي في السلم والحرب، وسر اختيار غزوة أحد للحديث عن دروسها وعبرها التي كان لها الأثر البالغ في حياة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وحياة الصحابة وسيكون لها مثل ذلك التأثير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أمهات وأصول الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد في سورة آل عمران حيث افتتح القصة بقوله {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} إلى تَمام ستين آية.

إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالا؛ فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها ما يعين القارئ على فهمها ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام.

وفقني الله وإياكم لصالح القول والعمل ووقاني وإياكم شر مزالق الزلل.

{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت