الحلقة الثامنة:
التحذير من ظن الجاهلية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ولا حول ولا قوة إلا بالله ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أما بعد،
إخواني، كنا قد توقفنا عند قول الله - عز وجل: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة، يذكّر الصحابة بحالهم وقت انهزامهم عن القتال، ويعاتبهم على ذلك الفعل، فقال الله سبحانه وتعالى: {إذ تصعدون} أي: تجدّون في الهرب ولا تلوون على أحد، فلا يلوي أحد منكم على أحد، ولا ينظر إليه، بل ليس لكم همّ إلا الفرار والنجاء عن القتال.
والحال أنه ليس عليكم خطر كبير، حال فراركم، إذ لستم آخر الناس مما يلي الأعداء، ويباشر الحرب، بل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوكم في أخراكم، أي: مما يلي القوم ويقول:"إلي عباد الله"فلم تلتفتوا إليه - صلى الله عليه وسلم -، ولا عرّجتم عليه، وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقتدوا به في صبره وثباته ..
الفرار نفسه موجب للوم، ودعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموجبة لتقديمه على النفس، أعظم لوما بتخلفكم عنها، {فأثابكم} أي: جازاكم الله - عز وجل - على فعلكم غما بغم، غما يتبع غما، غمّ بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغمّ انهزامكم، وغمّ أنساكم كل غمّ، وهو سماعكم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قتل.
ولكن الله - عز وجل - ـ بلطفه وحسن تدبيره لعباده ـ جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرا لهم، فقال - عز وجل: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من النصر والظفر، {ولا ما أصابكم} من الهزيمة والقتل والجراح بعد هذا التأديب والتمرين على ما فاتكم، ولا ما أصابكم من قرح ومصيبة، فإن التربية إنما تكون بالعمل والتمرن الذي به يكمل الإيمان وترسخ الأخلاق وتثبت الحقائق في نفوس حامليها.
هذا الذي أصاب سيصغر في نفوسهم ويتضاءل أثره، إذا تحققوا بعد ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لازال حي ولم يقتل، فتهون عليهم تلك المصائب، ويغتبطون بوجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يسلي عن كل محنة ومصيبة، فلله سبحانه وتعالى ما ألطفه بعباده بما ضمّن في هذه البلايا والمحن من الأسرار والحكم، وكل هذا صادر عن علمه سبحانه وتعالى وكمال لطفه بعباده وعلمه بأعمالهم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا قال بعد ذلك: {والله خبير بما تعملون} : أي مطلع على الخفايا، يعلم حقيقة أعمالكم ودوافع حركاتكم ...
ومن بلاغة هذه الجملة في هذا الموضع، أن كل واحد من المخاطبين ـ وهم الصحابة الراجعون من غزوة أحد ـ يتذكر عند سماعها أو تلاوتها، أن الله سبحانه وتعالى مطلع على عمله، وعالم بنيته وخواطره، فيحاسب نفسه، فلا يعتذر عن نفسه ولا يخادعها، فإن كان مقصرا تاب من ذنبه وإن كان مشمرا، ازداد نشاطا خوف الوقوع في التقصير وأن يراه الله - عز وجل - حيث لا يرضى.
ويحتمل أن معنى قول الله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} : أَنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قدَّر ذلك الغم والمصيبة عليهم ـ أي الصحابة ـ لكي تتوطن النفوس،