الحلقة الخامسة:
الجهاد لا يسقط بموت الرجال
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله حمد الشاكرين، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ..
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا من بركاته إنه جواد كريم ..
إخواني .. كنا قد تناولنا في حصتين سابقتين حقائق أراد القرآن الكريم أن يثبتها في نفس الصحابة - رضي الله عنهم -
الحقيقة الأولى: أن تداول الأيام في صراع الحق مع الباطل سنة مضطردة على مر التاريخ، وأنّ من وراء ذالك حكمة بالغة لمن عقل. فبتداول الأيام بين النصر والهزيمة والعسر واليسر، تتمحص النفوس، وتتمايز الصفوف.
ثم ذكرنا أنّ الله سبحانه وتعالى عالج ذهولا وقع في نفوس الصحابة حين هزموا، وهم يظنون أنهم ما داموا مسلمين وصحابة رسول الله صلى الله عيه وسلم فينبغي أن ينصروا في كل واقعة، وظنوا أن دخول الجنة ينال من غير جهاد ومن غير ابتلاء، فأنكر الله سبحانه وتعالى عليهم هذا الفهم، وقال لهم: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}
ويواصل القرآن الكريم تصحيح المفاهيم وتثبيت القيم والمبادئ في نفوس الصحابة، وهي مسألة مهمة لكل من سار في طريق الأنبياء والمرسلين، طريق الابتلاء ..
قلت .. يواصل القرآن الكريم هذه المهمة ـ تصحيح المفاهيم ـ فقال الله - عز وجل - بعد ذلك: {وما محمد إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} إلى آخر الآيات ...
فهذه الآية ـ إخواني الكرام ـ تشير إلى واقعة معينة حدثت في غزوة أحد، حين انكشف ظهر المسلمين ونادى منادٍ في جيش المسلمين:"إن محمدًا قد قُتل"! فكان لهذه القولة وقعها الشديد على المسلمين؛ حيث انقلب الكثير من الصحابة عائدين إلى المدينة تاركين المعركة ويائسين من النصر، فقد جاء في رواية ابن جرير عن السدي قوله:"وفشا في الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة - وهم قوم على صخرة في الجبل-: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أُبيّ فيأخذ لنا أَمَنةً من أبي سفيان. يا قوم، إن محمدًا قد قُتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم"
لكن لله سبحانه وتعالى ثبّت رسول الله صلى الله عليه في قلة من الصحابة وقاوموا قريشا.
هذه الحادثة ـ إخواني في الله ـ أذهلت الصحابة - رضي الله عنهم - هذا الذهول، الذي جعل بعضهم يقول ما قال!
والقرآن الكريم كعادته دائما، يغتنم الحدث من أجل أن يصحح الخطأ في التصور، والخطأ في العمل فهي إذن، مادة للتصحيح والتوجيه
يقول - عز وجل: {وما محمد إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} أي: ليس من المستغرب ومن المبتدع أن يموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأين إخوانه الرسل من قبله، فالرسل ليسوا بمخلدين، وليس