فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 82

بقاؤهم شرطا في امتثال أوامر الله - عز وجل -، بل الواجب على المسلمين أن يعبدوا ربهم في كل وقت وفي كل حال، سواء كان رسول الله حيا أو كان ميتا، ولهذا الله - عز وجل - قال بعد هذه الآية: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} انقلبتم بترك ما جاءكم به من إيمان والجهاد وباقي شرائع الإسلام.

إن محمدا هو رسول من عند الله - عز وجل -، أرسله الله سبحانه ليبلغ دينه. و يموت رسول الله صلى الله عليه, والله - عز وجل - باق حي لا يموت, ودينه أيضا باق لا يفنا، وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم، إذا مات نبيهم الذي جاءهم من عند الله - عز وجل -، ليبلغهم دين الله سبحانه.

هذه الحقيقة التي قد تبدو بسيطة، ولكن في زحمة الهول وضغط الهزيمة، غفل عنها بعض الصحابة - رضي الله عنهم - ومهما يغفل الغافلون فلله رجال، ففي هذه الساعة كانت لأنس بن النضر كلمة تكتب بماء الذهب.

ففي هذه الساعة التي زاغت فيها الأبصار والبصائر واشتد الكرب على الصحابة حتى بلغت القلوب الحناجر، وقال بعض الضعفاء والمنافقين ما قالوا، قال أنس: (يَا قَوْمِ إِنْ كان مُحَمَّدٌ قُتِلَ فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -) ..

وقول الله - عز وجل: {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} قيل: هذا من قبيل المثل، يُضرب لمن رجع عن الشيء بعد أن أقبل عليه، والأحسن أن تكون الآية عامة، تشمل الارتداد عن الدين كما جاهر بعض المنافقين، وتشمل الارتداد عن بعض الدين كالارتداد عن الجهاد ومكافحة العدو وتأييد الحق، وهذا هو الصواب.

قال الله - عز وجل: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} إنما يضر نفسه، وإلا فالله - عز وجل - غني عنه، وغني عن جهاده، وسيقيم الله سبحانه وتعالى دينه، بتقييض رجال يعز الله - عز وجل - بهم الإسلام، لِأَنَّ وَعْدٌ الله - عز وجل - حق، والله سبحانه وعد أن ينصر من ينصره ووعد أن يعز دينه ويجعل كلمته هي العليا، ووعده مُنجَز لا يحول عن إنجازه ارتداد من ارتد من الضعفاء والمنافقين، فإن الله سبحانه من خلال ما يقدّر من أحداث يثبت المؤمنين ويمحصهم؛ حتى يكونوا كالتِّبْر الخالص، وبهم يقيم الله دينه ..

وليعلم أنه ما يتنكب متنكب عن الدين تنكبا كاملا أو جزئيا، حتى يلاقي جزاءه من الشقاء والحيرة في ذات نفسه وفيمن حوله، سنة الله سبحانه وتعالى في من عصاه، وأبى الله إلا أن يذل من عصاه.

ولما وبّخ الله سبحانه وتعالى من انقلب على عقبيه، مدح الله من ثبت مع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} هؤلاء الشاكرون هم الذين يعرفون قيمة النعمة التي منحها الله لهم بأن جعلهم مسلمين وأعطاهم نعمة الدين, ونعمة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيشكرونها بإتباعه، أي بإتباع أوامره وإتباع نبيه، ويقومون بعبودية الله سبحانه وتعالى في السراء والضراء، ويشكرونها بالثناء على الله سبحانه.

الله - عز وجل - أراد بهذه الحادثة وفي هذه الآية، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حي بينهم، وأن يصلهم مباشرة بالله - عز وجل - الذي لا يموت، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله سبحانه وتعالى بلا وسيط، فهم في الحقيقة إنما بايعوا الله - عز وجل -، والله سبحانه قال: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} وهم في الأول والآخر مسئولون مسؤولية مباشرة أمام الله سبحانه وتعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت