فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 82

الحلقة الثالثة عشر:

منازل الشهداء

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أيها الإخوة في الله .. كنا قد توقفنا عند قول الله - عز وجل: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} وقد سبق أن ذكرنا قول الله - عز وجل - {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

فجاء قول الله تعالى في هذا الموضع أي قوله {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتا} لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس منه، ليس مما يحذر، بل هو من أجل المطالب العالية التي يتنافس فيها المتنافسون ..

أخرج الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا ـ وفي لفظ ـ قالوا من يبلغ إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله تعالى ما معناه:"أنا أبلغهم عنكم"فأنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمات) .

فترى أنه بعد أن تجلت في قلوب المؤمنين حقيقة القدر والأجل, وتحدى القرآن الكريم ما يبثه المنافقون من شكوك وبلبلة وحسرات في نفوس ضعفاء المؤمنين، شاء الله تعالى بعد أن أراح القلوب المؤمنة على صدر هذه الحقيقة الثابتة، أن يزيد هذه القلوب طمأنينة وراحة، فيكشف لها عن مصير الشهداء، الذين قتلوا في سبيل الله - عز وجل - ـ وليس هنالك شهداء إلا الذين يقتلون في سبيل الله سبحانه ـ خالصة قلوبهم له فقال: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه} أي: في جهاد أعداء الدين، أعداء الله ورسوله والمؤمنين، قتلوا قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، أي لا تحسبنهم أمواتا ولا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، هذا التمتع الذي يحذر من فواته القاعدون ممن جبن عن القتال، وزهد في الشهادة. .

هذه الآيات الكريمة أخي فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما من الله - عز وجل - عليهم به من فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة في سبيله،

إذن ما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله - عز وجل - من يستشهد. إنما الحقيقة أنه اختيار وانتقاء , وتكريم واختصاص وقد سبق قول الله تعالى {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} إذن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة , ليستخلصهم لنفسه سبحانه ويخصهم بقربه.

ثم هم شهداء يتخذهم الله, ويستشهد هم على هذا الحق الذي بعث به نبيه للناس. يستشهدهم فيؤدون الشهادة. يؤدونها أداء لا شبهة فيه, ولا مطعن عليه, ولا جدال حوله. يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق, وتقرير هذا الحق في دنيا الناس. يطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة, على أن ما جاءهم من عنده حق، وعلى أنهم آمنوا به,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت