الحلقة الأولى:
أحداث الغزوة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على رسوله وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته وجاهد بجهاده إلى يوم الدين، أما بعد:
ربِّ يسر وأعن اغفر وارحم وأنت خير الراحمين
أيها الإخوة، هذه المرة أردت أن أتحدث إليكم عن دروس وحكم من غزوة أُحد، وذلك استقراء لما كتبه العلماء رحمهم الله في تفسير للآيات التي نزلت في أعقاب تلك الغزوة الحقيقة أن حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها دروس وعبر، لمن ألقى السمع وهو شهيد، فنقول والله تبارك وتعالى المستعان: كانت غزوة أحد سنة الثالثة في شهر شوال، وكانت من أيام الله - عز وجل - التي ربى بها الله تبارك وتعالى الصحابة - رضي الله عنهم - تربية أهَّلتهم لتحمل أعباء الإسلام فيما تلا تلك الغزوة من أيام.
وبعد انقضاء الغزوة وأحداثها، نزل القرآن الكريم يلقي ضوءًا على جميع المراحل المهمة من هذه المعركة، يبينها مرحلةً مرحلة، وصرح بالأسباب التي أدت إلى هذه الهزيمة، مع التأكيد على الأهداف العظيمة التي أنشئت لأجلها هذه الأمة المباركة كي تكون هذه الأهداف العظيمة واضحة وراسخة في قلوب الصحابة - رضي الله عنهم - عدة لهم لقادم الأيام وما فيها من أحداث، وتبقى أيضًا عدة للأجيال اللاحقة بعدهم.
وقد أشار القرآن العظيم الذي نزل في أعقاب الغزوة إلى الحِكم والغايات المحمودة -أشار إلى أمهاتها وأصولها- التي تمخضت عن هذه المعركة، في ستين آية من سورة آل عمران، تبتدئ هذه الآيات بذكر أول مرحلة من مراحل الغزوة بقول الله - عز وجل: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} وتنتهي بتعليق جامع على نتائج هذه المعركة وحكمتها بقول الله سبحانه: {مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} إلى آخر الآية.
إخواني، قبل أن نتناول هذه الآيات الكريمات التي نزلت في أعقاب الغزوة، أرى أنه لا بد من الوقوف ولو بشيء من الاختصار والإيجاز على أحداث الغزوة؛ وفي ذلك فائدتين/ الأولى: أن ذلك يعيننا على فهم معاني الآيات، وكشف الغموض الذي قد يكتنف بعضها فإن"العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"كما يقال.
الفائدة الثانية: هي الوقوف على أحداث الغزوة يعين على تصور الجو المادي والمعنوي الذي جرت فيه الغزوة ونزل فيه القرآن، وعلاقة ذلك بالتربية بعملية التربية والتقويم، فقد كانت التربية بالأحداث في عهد القوة في المدينة قوية وصارمة، كما كانت كذلك في مكة، وكلاهما يهدف إلى الهدف ذاته في كلا المرحلتين؛ تخليص النفوس من أدرانها وتعلقاتها، وتجريدها خالصة لله - عز وجل -، في سبيل هذا التجريد ذاته كانت التربية بالأحداث في أحد للذين فتنتهم أسلاب المعركة فنسوا هدفهم الأصيل.
كما كانت أيضًا يوم حنين للذين أعجبتهم كثرتهم وقالوا لن نُغلب اليوم من قلة، كما قال الله - عز وجل - عنهم: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} .