وفي هذا الإطار -إطار النقد الذاتي والعمل على تطوير سلوكنا وجهادنا- يجب أن يكون حاضرًا في أذهاننا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أي أن النتائج مرتبطة بأسبابها، والقرآن سجل الأحداث وسجل العبر، كي يستفيد اللاحق من أخطاء السابق.
ومن المفيد أيضًا الإشارة إلى أن القرآن -وهو يربي الأمة الإسلامية في منشئها وبداية طريقها- استغل الأحداث في تربية النفوس استغلالًا عجيبًا عميق الأثر، كان من نتيجته نشوء تلك الأمة العجيبة الفريدة في التاريخ كله، فالله سبحانه لم يُرِد أن يترك جماعة المسلمين بعد الأحداث، ونتائج الأحداث يتركها للتخرصات والتخمينات المطلقة، ولم يرد أيضًا لها وهو يعدها لدورها المحوري في تغيير واقع البشرية وتغيير واقع التاريخ نحو هدف طاهر وهو عبادة الله - عز وجل - وحده لا شريك له، فتكفل الله سبحانه وتعالى بتربيتها أولًا ثم تكفل بدلالتها على العبر ثانيًا؛ ليتم تربية ذلك الجيل في طريق -كما قلت- لا زال طويلًا أمامها، ولازال مليء بالأحداث والمفاجآت.
ومن سنن الله -سبحانه تعالى- في بناء الذات -ذات الفرد المسلم- وبناء الجماعة المسلمة المراجعة، هذه من السنن الكونية والشرعية المراجعة، فمن المهم أن يستفيد المسلم وتستفيد الجماعة المسلمة من أسباب النجاح من أجل أن تضاعفها، وتعتبر أيضًا من أسباب الفشل كي تجتنبها، ولا يكون ذلك إلا بعملية التقييم وعملية التقويم.
الآن نعود إلى أحداث الغزوة فنقول: إن انتصار المسلمين في غزوة بدر كانت له إيجابياته على المستوى الداخلي والخارجي بالنسبة للمسلمين، وفي المقابل كان سلبيًا بالنسبة لقريش داخليًا وخارجيًا أيضًا؛ لذلك انصب تفكير زعماء قريش على الثأر ليوم بدر من أجل استرجاع مكانة قريش الدينية والسياسية والعسكرية على حد سواء، فكانت غزوة"السَّوِيقِ"بعد بدر بشهرين ثم جاءت غزوة أحد في شوال من السنة الثالثة للهجرة -كما ذكرنا-.
لهذه الغزوة جمعت قريش كل قواها المعنوية والمادية، فَجَمَعَت مع من أطاعها من كنانة وأهل تهامة، وجاءت بثلاثة آلاف بعير، ومن الفرسان مئتا فرس وسبعمائة درع.
بعد وصول خبر تحرك قريش تشاور النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الصحابة في كيفية مواجهة العدوان القرشي، وبعد المشاورة استقر الرأي على الخروج إليهم ومواجهتهم خارج المدينة، وتحرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، فلما صار الجيش بـ"الشَّوْط"بين المدينة وأحد، انْخَزَل وانْخَذَل عبد الله بن أُبَيّ بنحو ثلث العسكر ثلاث مئة من أنصاره المنافقين، فبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه سبع مئة من أصحابه لكي يقاتل ثلاثة آلاف مقاتل، وكادت بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من ا?وس أن تنخذل مع المنافقين لو? أن الله - عز وجل - ثبتهم مع المؤمنين.
وفي ساحة المعركة عبَّأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشه وهيأهم صفوفًا للقتال، واختار منهم فصيلة من الرماة الماهرين، قوامها خمسون راميًا، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الشمالية من وادي قناة -وعُرف هذا الجبل فيما بعد بجبل الرماة- على بعد حوالي مئة وخمسين مترًا من مقر الجيش، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقائدهم: (انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا تؤتين من قبلك) وقال أيضًا للرماة: (احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا) وفي رواية البخاري قال لهم: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) .
وهذا التأكيد كله نظرًا لأهمية النقطة، والدور المناط بفصيلة الرماة في إدارة المعركة، فكان الهدف الأصيل من وضع هذه الفصيلة في ذلك المكان هو حرمان العدو من فرصة الالتفاف