فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 82

الحلقة السابعة عشر و (الأخيرة) :

زبدة الفوائد من عزوة أحد (2)

السلام عليكم ورحمة الله

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد إخواني:

كنا قد انتهينا إلى الإشارة إلى قيمة التقويم والتقويم في بناء الفرد وبناء الجماعة وتجاوز الأخطاء.

وإذ نتحدث عن التقييم والتقويم من المهم أن ننظر إلى القرآن كيف عالج الحدث.

غزوة أحد كما رأينا لم تكن معركة سلاح فقط، إنما كانت أيضا معركة في الضمير والنفس .. معركة تصورات ومشاعر وأطماع ..

وكان الفاصل بين النصر أولا والهزيمة ثانيا لحظة من الزمان، ومخالفة الأمر ..

عاد المسلمون مثخنين بالجراح المادية والمعنوية إلى المدينة .. بعضهم قرير العين بما أبلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبعضهم يتجرع غصص الندامة لتخليه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لفراره من المعركة، وبعضهم يحمل في قلبه فرحا لما نزل بالمسلمين بأحد وشماتة بهم .. وقسم منهم يخشى من المفاجآت وأن تعود قريش من جديد لتستأصل بقيتهم .. والنفوس تجوس بالخواطر ..

وسط هذه الهواجس والمشاعر نزل القرآن ليكشف الحقيقة المخبوءة، وليقدم تحديد وتقييم المواقف والوقائع .. وليعيد صياغة جديدة للجماعة على هدي القرآن ونوره وتصنع على عين الله .. لتحقيق موعوده في الأرض.

وكشف القرآن للحقائق لم يكن فضحا للجماعة .. فالأمر تم .. وآثاره ظاهرة .. إنما ذكره القرآن للاعتبار والتصحيح .. وكان الانتصار الكبير فيها بعد النصر والهزيمة. . انتصار واستقرار المعرفة الواضحة والرؤية المستنيرة للحقائق التي جلاها القرآن .. والتي ما كانت لتستقر لولا ذلك البلاء ونتائجه .. التي كان الصحابة يحسونها حين ذاك بعمق وبعنف ..

معركة السلاح ليست منعزلة عن معركة عالم الضمير .. معركة المفاهيم والسلوك .. هي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع التنظيمية التي تقوم عليها الجماعة المسلمة وفق منهج الله القويم.

فالهدف أن يكون العبد كله لله والحياة كل الحياة لله .. وهنا وهناك ساحة المعركة .. معركة التعبئة الكاملة للانتصار الكبير. الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد .. والانتصار في تقرير القيم والأوضاع السليمة لحياة الجماعة ..

وتوجيهات القرآن الشاملة ليست بمعزل عن المعركة الحربية التي يتصورها البعض كل شيء .. فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية .. والسيطرة على النفس قوة من قوى المعركة.

ووقوع النصر أو الهزيمة بناء على جريان سنة الله وفق ما يقع من الجماعة المسلمة من تقصير وتفريط ..

ولا قيمة للانتصار العسكري أو السياسي ما لم يقم هذا كله على أساس دين الله - عز وجل - في الانتصار على النفس والهوى .. ليكون كل نصر نصرا لله ولدينه. وليكون كل جهد في سبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت