الخلف لتكتشف نقطة بداية الانحراف .. تكتشفها لا لتقف عندها لأن البعض- أيضا- يتخذ الماضي كهفا يرقد فيه، وهذا موطن الخطر: أن نسكن في الماضي، ونبقى نجتر حديثه للتسلي، وإنما نعود لنعدل المسار وننطلق نحو المستقبل .. والشؤون المتجددة تحتاج إلى نظرة متجددة .. ونحن نعاني منذ مدة عدم وضوح المسار والمستقبل، نعيش تيها أقرب لتيه بني إسرائيل ..
القرآن الكريم يذكر لنا أن أمما كثيرة لم تعتبر بما أصاب من سبقها وارتكبت نفس الأخطاء فانهارت، واستحقت المقت والعقاب .. يجب أن ندرس التاريخ ونكتشف سنة الأولين، كما يوجهنا القرآن الكريم، ففي التاريخ سنن وقوانين تحكم مسارات الأحداث ..
إن التجارب الفاشلة باهظة الثمن، ولكن الفشل في كثير من الأحيان أكثر إثراء للمسار من النصر. لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم .. ويجمع التجربة إلى المجرب. فإذا ما لقي الثبات والعزم على المسير، فإنه يصنع أرضية الانتصار الحاسم القادم بإذن الله - عز وجل -.
إن النفس البشرية ليست كاملة - في واقعها - ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء .. وقد رأينا نماذج للضعف البشري في تصرفات الصحابة - رضي الله عنهم - .. لم يخرجوا بكونهم صحابة عن بشريتهم .. وكل هؤلاء مؤمنون مسلمون .. ولكنهم كانوا في أوائل الطريق .. في دور التربية والتكوين .. وكانوا أيضا جادين في أخذ هذا الأمر، مسلمين أمرهم لله ومستسلمين لمنهجه. ومن ثم لم يطردهم الله من كنفه، بل رحمهم وعفا عنهم، وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعفو عنهم، ويستغفر لهم، وأمره أن يشاورهم في الأمر، بعد كل ما وقع منهم .. قبل الله ضعفهم ونقصهم، ورباهم بالابتلاء، ثم رباهم بالتعقيب والتوجيه إلى ما فيه من عبر وعظات، في رحمة وفي عفو وفي سماحة ..
ومع مرور الأيام ظلوا بشرا، وظل فيهم الضعف والنقص والخطأ. ولكن ظل فيهم كذلك الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله ..
وهذه الحقيقة ذات قيمة كبيرة في إعطاء الأمل الدائم للبشرية لتحاول وتبلغ ..
كذلك ليس شيء من أخطائهم محسوبا على الدين، ولا مغيرا لقيمه وموازينه الثابتة .. تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه الدين .. وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك يصفهم القرآن بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف. ولا يتغاضى عن خطئهم وانحرافهم - مهما تكن منازلهم وأقدارهم - ولا يجاري انحرافهم! .. وتقييم وتقويم القرآن لجيش الرسول - صلى الله عليه وسلم - إشارة إلى أن ليس ثمة من هو فوق النقد .. نعم النقد بضوابطه المنهجية والأخلاقية ..
وحين نملك الشجاعة على نقد أنفسنا أمام أنفسنا على أقل تقدير .. نرتقي لمرحلة المصارحة والمكاشفة مع بعضنا لننقذ السفينة قبل أن تغرق .. وقد رأينا كم كشف القرآن من أخطاء في التصورات والمفاهيم والمواقف والتصرفات، كان لها ذلك الأثر البالغ في جيش فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وإن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا
وفي هذا القدر كفاية وإلى أن نلتقي مع باقي الفوائد نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين هو ولي ذلك والقادر عليه وسبحانك اللهم وبحمدك وأشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب أليك