الحلقة الثانية عشر:
قل هو من عند أنفسكم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ولا حول ولا قوة إلى بالله.
أما بعد ..
إخواني الكرام .. بعد أن انتهى القرآن الكريم من تصغير الدنيا في عيون الصحابة - رضي الله عنهم -، هذه الدنيا ـ التي حينما تعظم ـ قد تكون دافعا للغلول من الغنيمة، وقد تكون دافعا لسوء الظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا في التفسير، وذكر أيضا القرآن الكريم عظمة نعمة الإسلام، ونعمة بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
يعود القرآن الكريم، لتوصيف المعركة وبيان مسئوليتها وأسبابها، والحكمة مما جرى، حتى يدفع اندهاش الصحابة - رضي الله عنهم - من هزيمتهم، وهم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين يقارعون الكفر والكافرين.
فيقول الله - عز وجل - {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
لقد كتب الله - عز وجل - على نفسه النصر لأوليائه، ولكنه - عز وجل - علّق هذا النصر بكمال حقيقة الإيمان في قلوب المسلمين، وباستيفاء مقتضيات الإيمان في تنظيمهم وفي سلوكهم، وباستكمال العدة التي في طاقتهم، فلا يكلف الله - عز وجل - نفسا إلا وسعها، كذلك ببذل الجهد الذي في وسعهم، فهذه سنة الله سبحانه وتعالى، وسنة الله لا تحابي أحدا.
فأما حين ينعكس الأمر، فيقصرون في أحد هذه الأمور (في تنظيمهم وفي سلوكهم، أوفي استكمال العدة التي في طاقتهم, أو بنقص الجهد المبذول الذي أيضا في وسعهم) , حين إذ عليهم أن يتقبلوا نتيجة التقصير. فإن كونهم مسلمين لا يقتضي خرق السنن لهم، ولكن كونهم مسلمين أيضا لا يذهب هدرا ولا يضيع هباء، فإن استسلامهم لله - عز وجل - وحملهم لراية الإسلام, وعزمهم على طاعة الله سبحانه, والتزام منهجه، من شأنه أيضا أن يرد أخطاءهم وتقصيرهم خيرا وبركة في النهاية ـ بعد استيفاء ما يترتب عليها من التضحية والألم والقرح نتيجة التقصير ـ وأن يجعل من الأخطاء ونتائجها دروسا وتجارب, تزيد في نقاء العقيدة, وتزيد في تمحيص النفوس و الصفوف والقلوب, وتؤهل الجماعة المسلمة للنصر الموعود، وتنتهي إن شاء الله بالخير والبركة متى أحسنوا الاستفادة منها.
بهذا الوضوح والصرامة معا .. يأخذ الله - عز وجل - الجماعة المسلمة، والجماعة المسلمة حين تنزل القرآن هي صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يرد على تساؤلها ودهشتها مما وقع يوم أحد، ويكشف عن السبب القريب من أفعالها، كما يكشف أيضا عن الحكمة البعيدة من قدره الله سبحانه وتعالى.
وفي الآية الكريمة تسلية من الله - عز وجل - لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم"أحد"من قتل وقرح، فقال الله سبحانه وتعالى، إنكم قد أصبتم من المشركين مثليها يوم بدر، فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم، فإن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار.
قلتم {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ ونحن مسلمون نقاتل غضبا لله