الحلقة السادسة:
الاعتبار بموكب الربيين
أيها الإخوان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا نسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء. أما بعد ..
أيها الإخوان .. كنا قد تطرقنا في الحصة السابقة إلى مفهوم جلاه القرآن الكريم وصححه في نفوس الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهي أن انتصار الإسلام وبقاءه ليس معلقا بوجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن لم يثبت في هذا الطريق لفقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو لفقد رئيس أو زعيم مهما كان وزنه، وانقلب على عقبيه فإن ما يضر نفسه، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى سيقيض لدينه رجالا يعدهم ويوفقهم للإيمان والبذل والجهاد والعطاء، لينصر الله سبحانه وتعالى من ينصره و يخذل من يخذله جزاءا وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد.
بعد ذكر هذه الحقيقة وتصحيحها، تطرق القرآن الكريم إلى مثل أراد أن يبين من خلاله للصحابة - رضي الله عنهم - أن هذه الدعوات دعوة لأنبياء والمرسلين واحدة من لدن نوح عليه السلام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال - عز وجل: {وَكَأَيِّ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} فالقرآن الكريم يضرب للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم، من موكب الإيمان الممتد على طول الطريق في رحم التاريخ، الضارب في جذور الزمان، من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وقاتلوا مع أنبيائهم، فلم يجزعوا عند الابتلاء، وتأدبوا بالأدب الإيماني - وهم مقدمون على الموت في مقام الجهاد في سبيل الله، فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم، وأن يروا أخطاءهم إسرافا في أمرهم، وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار، وبذالك نالوا ثواب الدارين، جزاء إحسانهم في أدب الدعاء، وجزاء إ حسانهم في موقف الجهاد؛ وكانوا مثلا يضربه الله سبحانه وتعالى للمسلمين {وَكَأَيِّ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ} أو {قتِل} كأنما وقر في نفوس المسلمين حين انتصروا يوم بدر وهم ضعاف قليل أن النصر يكون لهم في كل موقعة، وأن هذه هي سنة الجارية، فلما صدمتهم هزيمة أحد فوجئوا بابتلاء ما كانوا ينتظرونه، والمثل الذي يضربه الله - عز وجل - لهم ولنا في هذه الآيات هو مثل عام، لا يحدد الله - عز وجل - فيه نبيا ولا يحدد فيه قوما، إنما يربطهم الله سبحانه وتعالى بطائفة وموكب من مواكب الإيمان، ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة من دعوات الله، وفي كل دين وهو دين الله سبحانه، فأمر العقيدة كله واحد، وإنما هم كتيبة في جيش الإيمان الكبير.
ففي الآيات تسلية للمؤمنين، من جهة وحث على الاقتداء بالأنبياء وأتباعهم، والفعل كفعلهم من جهة أخرى، وأن هذا أمر قد كان متقدما، لم تزل سنة الله - عز وجل - جارية به، فقال لهم الله سبحانه: {وكأي من نبي} أي: وكم من نبي قاتل معه ربيون كثير، وفي قراءة قتل، وَ {الرِّبِّيُّونَ} كما قال فِي الكشّاف:"هم الرّبّانيّونَ وهو جمعُ ربّانِيّ نسبة إلى الرّبّ".
وقال الزَّجّاج:"هم الجماعات الكثيرة وأحدهم ربّيّ"،و قال ابنُ قتيبة:"أصله منَ الرّبّة وَهِيَ الْجَمَاعَةُ."
إذا فكأي من نبي قاتل معه جماعات كثير من أتباعهم، الذين رباهم على الإيمان والأعمال الصالحة، فأصابتهم الجراح، وأصابهم القرح، وأصابهم الابتلاء في متابعة نبيهم، ولكن ما