فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 82

وهنوا لما أصابهم في سبيل الله - عز وجل - وما ضعفوا وما استكانوا. أي: ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا لعدوهم.""

يقول ابن جرير رحمه الله الطبري:"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قُتل منهم عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم وما ضعفوا، يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم وما استكانوا، يعني وما ذلوا فيتخشعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم ومداهنتهم فيه خيفة منهم، ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيِّهم، صبرًا على أمر الله وأمر نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وطاعة لله وإتباعا لتنزيله ووحيه".انتهى قوله

ويقول كذلك العلامة ابن عاشور في تفسيره:"وجمع بين الوهن والضعف، وهما متقاربان تقاربًا قريبًا من الترادف؛ فالوهن قلة القدرة على العمل وعلى النهوض في الأمر وفعله ... والضعف بضم الضاد وفتحها ضد القوة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأول أقرب إلى العزيمة في النفوس والفكر، والثاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة. وأما الاستكانة فهي الخضوع والمذلة إذا خارت العزيمة وفشلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعه المذلة والخضوع للعدو نسأل الله العافية."انتهى قوله رحمه الله

أي: ما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الجهاد , وما استسلموا للجزع ولا للأعداء. . فهذا هو شأن المؤمنين, المنافحين عن عقيدة رب العالمين بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال الله - عز وجل - بعد ذلك: {والله يحب الصابرين} ، والصبر صبران: صبر على مقدار حجم المصيبة وهي الشدة التي تصيب الإنسان، وصبر على مقدار مكوث المصيبة، فقد يصبر المرء للمصيبة، ولكن لا يصبر لطول وقت المصيبة، وهو الزمن والثاني أشد على النفوس، فالصبر على طول مكثها وزمنها هو الذي يكون شديدا عل النفوس، والتعبير بالحب من الله - عز وجل - للصابرين له وقعه في نفوس المسلمين فهو الحب الذي يأسو الجراح ويمسح على القرح ويعوض عن الضر والقرح والكفاح المرير، وإِذا كان الله يحبّ الصّابرين أمثالهم فعليكم أن تعتبروا بحالهم، فإنّ دين اللهِ - عز وجل - واحد، وسنَّته في خلقه واحدة.

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قولهم واستنصارهم لربهم مبينا الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم، صورة الأدب مع الله، وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس، ولكنه لا يذهل نفوس المؤمنين الصادقين عن التوجه إلى الله - عز وجل -. . لا من أجل أن تطلب النصر أول ما تطلب وهو ما يتبادر عادة إلى النفوس المهزومة المكلومة المجروحة، ولكن لتطلب العفو والمغفرة، ولتعترف بالذنب والخطيئة، قبل أن تطلب الثبات والنصر على العدو، فقال: {وما كان قولهم} . أي: في تلك المواطن الصعبة {إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} والإسراف: مجاوزة الحد إلى ما حرم الله - عز وجل - مِنَ الذُّنُوبِ وَالتَّقْصِيرِ فِي إِقَامَةِ السُّنَنِ، أَوِ الْوُقُوفِ عِنْدَ مَا حَدَّدَتْهُ الشَّرَائِعُ، علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منهما من أسباب النصر، فسألوا الله - عز وجل - مغفرته.

واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في الآية في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر وما أجلّ ما قاله العبّاس بن عبد المطّلب في استسقائه:"اللهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُرْفَعْ إِلَّا بِتَوْبَةٍ".

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله:"فجمعوا بين الصبر والاستغفار، وهذا هو المأمور به في المصائب: الصبر عليها والاستغفار من الذنوب التي كانت سببها، والقتالُ كثيرًا ما يقاتل الإنسان فيه لغير الله - عز وجل -، كالذي يقاتل شجاعة، أو يقاتل حمية، ويقاتل رياء، فهذا كله ذنوب،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت